تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١١٤النَّاسِوَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143)، وقد صرَّح القرآن الكريم بهذه المثالية الإنسانية قائلا: ﴿((((((((((فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ (((((((((((((((﴾ (القصص: 77)، وكأنَّ الإحسان والأخذَ من الدنيا بنصيب، مقياسُه الوحيد والأساسيُّ هو أن لا ينحرف الإنسان عن هذا الإحسان إلى أن يصبح فسادًا وغُلوًّا وعُلوًّا في الأرض، كما يفعل الجبابرة: ﴿((كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ (((((((﴾ (الشورى: 20)، ولعلّ بعض المتعجِّلين يقولون: الملاحظ هنا أنَّ الله ذكر حرث الآخرة ولم يذكر حرث الدنيا، وإنَّما الإجابة في الآية نفسها، حيث عبَّر عن المطلوب من المسلم بالحرث، والحرثُ لا يكون إلاَّ عملاً، والعملُ لا يكون بطبيعة الحال إلاَّ في الدنيا، فالعملُ إذا مطلوبٌ، ولكن ليكن في سبيل الخير، حتَّى يؤتي ثماره فيكون جديرًا بأن يطلق عليه صفة الحرث، أمَّا من اقتصر على العمل الدنيوي ناسيًا آخرته فذلك المغالي المشتطُّ الذي نزع نزوعًا ماديًّا، وفضَّل العاجلة ونسي الآجلة، وفضَّل متاع الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، وبذلك حكم بنفسه على نفسه حين فضَّل أن يأخذ نصيبه في الدنيا قبل الآخرة، إذًا فالجزاء المنطقيُّ ألاَّ يكون له في الآخرة نصيب.
} {} {} {