تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١١٥

أودع الله في الإنسان نزعتين مختلفتين؛ نزعةٌ مادية تنزع به نحو الشهوات والاستجابة للغرائز واللذائذ، ونزعةٌ روحيَّة تتيقَّظ في أنحائِه من حين لآخر، ترتفعُ به لتسموَ إلى الاستجابة لأشواق روحه ومتطلبات معنوياته، وبين النزعتين ما يزال الإنسان في صراعٍ مستمر، يحاولُ التوازن بين أشواق الروح ورغبات الجسد، غير أنَّ الله - سبحانه وتعالى -، أوضح لهذا الإنسان النجدين، وبيَّن له الطريقين: طريقَ الخير الذي تدعو إليه الروح، وطريقَ الشرِّ الذي ينجذب إليه الجسد، ووضع بشريعة الإسلام، الطريقةَ المثلى التي يكون بها الإنسان المثاليُّ الذي يأخذ من الحياة الماديَّة ما يلزمه دون إفراط، ويأخذ من الحياة الروحيَّة ما يُنير بصيرته ونفسَه دون تفريط، ولكنَّ الشيطان الذي يتربص بالإنسان ليُضلَّه عن طريق الهدى والرشاد، يجلُبُ بخيلِه ورَجْلِه، ويأتيه عن يمينه وعن شماله، ومن خلفه ومن قُدَّامه، ليدفع به في طريق الشهوة ليكون عبدًا لهوى نفسه، لا يرى في وجوده سوى إشباع ما يتطلَّبه جسده من مادَّة، فلا يرى في الدنيا سوى السعي من أجل الجاه والمال والولد، وهو يقيم علاقاته مع الآخرين على هذا الأساس، فلا يرى بالأخوَّة أو القرابة أو النسب والصالح العامِّ اعتبارًا، ما لم يرجع كلُّ ذلك عليه بالفائدة الشخصية، وهو إن لم يحصل على مبتغاة المادي، اتَّبع في سبيل الحصول عليه كلَّ الطرق ولو كانت أشواكًا، واستخدم كلَّ الوسائل ولو كانت كريهةً، فيثقل في ذلك كرامته الإنسانيَّة، ويضحِّي بكلِّ علاقاته العائليَّة، وقد يطرح في سبيل رغبته الشهوانية الدنيوية، القيم والمثل الوطنيَّة والدينيَّة.

١١٤ / ٢٠٧