تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١١٦أمَّا الإنسانُ السويُّ الملتزم بقيم الإسلام، فيدرك أنَّ الحياة الإنسانية الفاضلة، ليست في بهرج الدنيا وزخرفها، وإنَّما تقومُ أبدًا على الإيثار والتضحية بمطالب النفس ورغباتها، لتحقيق مصلحة الآخرين، ولا يعطي للدنيا أكثر مما أعطاه الله لها، من أنَّها زينةٌ وتفاخرٌ وتكاثرٌ في الأموال والأولاد.
ومن ثمَّ، فإنَّ على المسلم أن يتَّخذ الدنيا مطيَّةً للآخرة، ويعتبرها وسيلةً لغاية أشرف منها وأجلُّ، فلا يكون عملُه من أجل الدنيا حُبًا فيها ورغبةً في لذائذها، وإنمَّا يتَّخذُها فرصةً للامتحان والابتلاء والعمل الصالح، فيجعل القيم والمثل العليا نَصب عينيه حيثما توجَّه، فعملُه في الدنيا من أجل عمارتها لصالح الإنسانية جمعاء، وسعيُه للرزق فيها ليكسب قوته وقوت عياله، وإنَّ اجتهادَه فيها اجتهادُ مجدٍّ في طريق لا يسعى فيها إلاَّ لأنَّها وسيلة تُوصله إلى هدف معيَّن، هو الدار الآخرة حيث الجزاءُ الأوفى. إنَّ المسلم المثاليَّ هو الذي يوازن بين حقِّ الله وحقِّ الحياة، وهو ذلك المؤمن الكادح الذي يستحضر الآية الكريمة أبدًا: ﴿(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ((((﴾ (الحشر)، أو كما قال الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ: «اعمل لدنياك كأنَّك تعيشُ أبدًا، واعمل لآخرتك كأنَّك تموتُ غدًا»، إنَّ الآفة الكبرى والضلال البعيد، هو أن ينذهل الإنسان وهو يسعى محمومًا من أجل الدنيا، حتىَّ ينسى نفسه التي بين جنبيه، فلا يفرِّق بين ما يَصلُحُها وما يُفسِدُها، ما يضرُّها وما ينفعُهَا. قال ابن القيِّم وهو يشرح هذه الآية: «تأمَّل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، هو أن من نسيَ ربَّه أنساه ذاتَه