تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١١٧ونفسَه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشِه ومعادِه، وصار معطلا مهملا بمنزلة الأنعام السائبة، بل ربَّما كانت الأنعامُ أخبر بمصالحها منه، لأنَّها على هُداها تمشي، هذا الهدى الذي أعطاها الله إياها، وأمَّا هذا فقد خرج من فطرته التي خُلق عليها، فنسي ربَّه فأنساه نفسَه وصفاتها وما تكمل به، وتزكو به وتسعد»(1).
حثَّ الإسلامُ على التوازن النفسي لدى المسلم، أن جعل عبادته لربِّه على هذا الأساس عملاً للدنيا وعملاً للآخرة، منسجمين متكاملين لا انفصام بينهما ولا تناقض فيهما، وحسبنا أن نقرأ هاتين الآيتين من سورة الجمعة اللَّتين تعدَّان مثالين واضحين للمنهج الذي ينبغي أن يسير المسلم على هداه، ولحكمة بالغة، وهدف ربَّانيٌّ عظيمٌ ربط هذه الوصية وهذا الهدى، بظرف زماني يحتفل فيه كلٌّ مسلم بنفسه، ويعود فيه ـ ولو أغرته الدنيا ـ إلى ربِّه، وفي سياق عجيبٍ يوازن بين الدنيا والدين، ويحثُّ على العمل لهما معا في وقت واحد، يقول الله تعالى: ﴿(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (((﴾ (الجمعة)، إنَّها دعوةٌ إلى التوجُّه إلى الله وابتغاء وجه الآخرة، في ذروة العمل الدنيويِّ وأَتُونِه، البيع والشراء، عندما يكون الشيطان متحفزًا للإغراء بالشهوة والجاه والمال وكلِّ ما هو مادي
(1) 1 - المصدر السابق، ص: 180.