تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١١٨بحت، يُوقظُنا الله بآذان الجمعة الداعي إلى ذكر الله، وتذكر المثال الحقيقي، والتجارة الرابحة الدائمة، ويستخدم صيغةً لغويَّة تدلُّ على الفورية والاستعجال والامتثال السريع حيث يقول: ﴿(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ (((( .. ﴾ (الجمعة: 09)، وكلُّ الذين يفقهون أسرار اللغة العربية، يعرفون أنَّ العطف ”بالفاء“ في هذا المقام، لا يمكن أن يدلَّ إلاَّ على الاستجابة الفورية السريعة، ثم هو يستخدم الصيغةَ اللغويةَ نفسَها، ولغرض مغاير هذه المرَّة تمامًا، وهو الانصرافُ عن الصلاة بعد انقضائِها إلى الانتشار في الأرض وطلبِ الرزق، بتحريضٍ على الكسب الحلال، لا يقلُّ حماسةً ودفعًا عن ذلك التحريضِ الذي استخدمه وهو يدعونا لإقامة الصلاة: ﴿(((((((قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ (((((((((((﴾ (الجمعة: 10)، والله أدرى بطبيعتنا المائلة إلى الدنيا المحمومة، وراء الكسب، فذكَّرنا ونبَّهنا إلى أن يكون الانتشار في الأرض للابتغاء من فضل الله مقرونًا دومًا بذكر الله حتىَّ لا ننسى الله فيُنسِينا أنفُسَنا، وهذا هو الشأن الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، عملٌ وبيعٌ قبل الصلاة، ثمَّ صلاةٌ وسعيٌ إلى ذكر الله، ثمَّ بعد انقضاءِ الصلاة انتشارٌ في الأرض، وابتغاءٌ من فضل الله(1)، إلاَّ تدلُّ هذه الآيات الكريمات على سماحة الإسلام ويُسره، وتُبيِّن منهَجَهُ الحضاريَّ الذي يقيم العلاقة التوازنيَّة بين أشواق الروح ومطالب الجسد؟!.
(1) 1 - د. القرضاوي، المصدر السابق، ص: 186.