تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٢٠إنَّ من الأهداف الكبرى للصوم، السُّمُو بالإنسان المؤمن إلى فطرته الأولى، ليتغلَّب طوالَ شهرٍ كاملٍ على نفسه التي تدعُوه دومًا إلى إشباع شهواتها الماديَّة والبهيميَّة، أَوَليس تركُ الطعام والشراب واللَّذات الأخرى، محاولةً لكسر شَرَهِ هذه النفس التي تطغى وتتجبَّر كُلَّما قَوِيَت في حناياها هذه الشهوات؟ أَوَليس ما يدعونا إليه رمضانُ من تركِ الأخلاق الدنيئة من غيبةٍ ونميمةٍ وظلمٍ وتعدٍّ وسبابٍ وفُحشٍ محاولةً لتنقية القلب من أدران الشيطان ووسَاوِسِه؟
رمضانُ مدرسةٌ لا تعود على الفرد بالنقاء والطهارة الروحيتَيْن فحسب، وإنَّما تعودُ على كلِّ المجتمع بالطمأنينة والصفاء والتوافق والانسجام، لأنَّه لو اتَّصف كلُّ فردٍ في المجتمع بتلك الصفات لبات المجتمع وقد ظلَّلَت أفرادُه كلُّهم سَحائِبُ الرحمة، ولسادت طبقاتُه وفئاتُه نسائِمُ الحبِّ والتعاوُن والرِّضا واليقين، إنَّ رمضان لا يدعو المسلمَ إلى ترك الطعام والشراب والشهوات الماديَّة المعروفة فحسب، إنَّ رمضان دعوةٌ إلى تنقية كلِّ الحواس من آثار الشيطان؛ نُمسِك فيه الفمَ عن الأكل والشرب ولَغوِ الحديث، ونُمسك فيه اللِّسانَ عن الوِشايةِ والكذبِ والأراجيفِ، ونُمسِك فيه اليدَ عن العبث والإيذاء والفساد، ونُمسك القدمين على أن لا تسعى إلاَّ إلى خيرٍ، ونُمسك القلبَ عن الحقد والحسدِ وسوء النيَّة، ومجموعُ هذه التربية السامية للحواس نتيجة حتمية تُطهِّر النفس من الشيطان لتعلُوَ به إلى ذُرى الإيمان.
إنَّ المسلم الذي ينتصر على نفسه بمثل هذا السلوك الربَّاني، يُحرز على