تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٢١رضَا الله، وهو أعظمُ الجزاء، إنَّه الجزاءُ الأوفى الذي يعلُو على الجنَّة نفسِها، وتقديرًا لهذا الإخلاص من المسلم وَعَده الله تلك المنزلة، التي لا يصلها إلاَّ النبيُّون والصديقون والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، وذلك حيث يقول على لسان رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ عملِ ابنِ آدَم لَه إلاَّ الصومَ فإنَّه لِي وَأنَا أَجزِي بِه».
لماذا كرَّم الله - سبحانه وتعالى - عبدَه المؤمن بهذه المرتبة العظيمة؟ إنَّ الله نظر في ذلك إلى العمل نفسِه ـ والجزاءُ من جنس العمل ـ فنحنُ حين ننظر في العبادات التي فرضها الله علينا مثل: الصلاة والزكاة والحجِّ، نجدُها كلُّها مظنَّةً لأن تتحوَّل في حالةِ عدم الإخلاص القلبيِّ إلى أعمالٍ وشعائرَ لا معنى لها، فقد يصلِّي المصلِّي ويواظبُ على الجماعة مُراءاةً للناس وتطلُّعا إلى أجرٍ دُنيوي، وقد يزكِّي ويتصدَّق طلبًا للسُّمعة والرياء، وقد يحجُّ طلبًا للترفيه أو التجارة أو تقليدًا لشيء تعوَّد أفرادُ المجتمع أن يقوموا به، كلُّ هذا محتملٌ! ولكنَّ الصومَ وحده هو العبادة التي لا يمكن أن تشوبها هذه الشوائب، ولا يمكن أن تفسده هذه الوسائل، ذلك أنَّ فريضة الصوم قائمةٌ على ترك الطعام والشراب والجماع، وهذه عندما تُترك فإنَّما تُترك خوفًا من الله وحدَه، لأنَّ الله هو الرقيبُ الوحيد الذي يراقب الصائم في هذه الحالة؛ فالصائمُ إذًا لو لم يكن مُخلصًا في إيمانه وفي عبادته لما جاء بهذه العبادة على الوجه الأكمل الذي طلبه الله منه، وما دام الصائمُ لا يطلب من وراء هذا العَنَتِ الشاقِّ إلاَّ رضا الله، فإنَّ الله وحدَه هو الذي سَيُقدِّر مكافأته له: « .. الصوم لي وأنا أجزي به».