تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

الصوم مدرسة للصبر

يروي أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «كلُّ عملِ ابن آدم تُضاعَفُ فيه الحسنةُ بعَشر أمثالها إلى سبعمائِة ضِعف، قال الله - عز وجل -: إلاَّ الصوم فإنَّه لي وأنا أجزي به، يَدَعُ شهوَتَهُ وطعامَه من أجلي». إنَّ الله خلق الإنسان من عنصرين اثنين، خلقه من طين، ونفخ فيه من روحه وفي ذلك حكمة ربَّانيَّة هائلة هي سرُّ هذا التجاذب بين النوازع المادية في نفسه والسموِّ الروحي، وكلَّما تغلَّبت عليه طبيعته الطينيَّة استجاب لنزعة المادة والشهوة فيه، وكلَّما استطاع أن يتغلَّب على تلك النزعة فسما بروحه واستعلى على شهواته، وكان ذلك انتصارًا للجانب الروحاني فيه، وتلك حقيقةُ الإنسان التي أراده الله أن يكون عليه.

ليس الإنسانُ هو ذلك الإنسانُ المحسوس، إنَّما هو روحٌ سماويٌّ يسكن هذا الجسم الأرضيَّ، وسرٌّ من الملإ الأعلى في غلافٍ من الطين(1)، وقد ارتبط أمرُ الله تعالى الملائكةَ ليسجدوا لآدم أبا البشر بعد أن نفخ فيه من روحه، وفي ذلك إشارة لطيفة إلى هذه الخصيصة التي ميَّزه الله بها، حمَّله الأمانة من أجلها: ﴿((((قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ((((﴾ (ص)، ذلكم هو الإنسان، روح علويٌّ، وجسد سفليٌّ، فالجسدُ بيتٌ الروحُ صاحبُه وساكنُه، والجسدُ مطيَّةٌ والروحُ

(1) 1 - د. يوسف القرضاوي، (المرجع السابق)، ص: 288.

١٢٢ / ٢٠٧