تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

راكبٌ مسافرٌ، ولم يُخلَق البيت لنفسه ولا المطيَّة لذاتها، ولكنَّ البيت لمصلحة الساكن، والمطيَّة لمنفعة الراكب، فللجسد مطالب من جنس عالمه السفليِّ، وللروح مطالب من جنس عالمه العُلويِّ، فإذا أخضع الإنسان أشواقَ روحِه لمطالب جسده وحكَّم غريزته في عقله استحال من ملاكٍ رحيمٍ إلى حيوان ذميمٍ وربَّما إلى شيطانٍ رجيم، أمَّا إذا عرف قيمة نفسه، وأدرك سِرَّ الله فيه صار ملاكًا أو خيرًا من ملاك: ﴿((((الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ ((((((((((((﴾ (البيّنة: 07). ومن هنا سرُّ فريضة الصوم التي فرضها الله على الإنسان المسلم مرَّة كلَّ سنة ليتحرَّر فيها من سلطان غرائزه وينطلق من سجن جسده ويتغلَّب على نزعات شهوته، ويتحكَّم في مظاهر حيوانيَّته، ويتشبَّه بالملائكة، فليس عجبًا إذاً أن يرتقي الإنسان الصائم، ويقترب بروحه من الملإ، ويقرع أبواب السماء بالدعاء فتُفتح له، ويدعو ربَّه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبَّيك عبدي، وفي هذا المعنى يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم، الصائمُ حتَّى يُفطر، والإمامُ العادل، ودعوةُ المظلوم»(1)، ولكي يستطيع الإنسان الانتصار على غرائزه، لا بدَّ له من إرادة قويَّة، وعزيمة حديديَّة، وصبرٍ ودأبٍ، وهي معركةٌ صعبةٌ لا ينتصر فيها إلاَّ من هداه الله إلى طريقه السَّويِّ، وأيَّده بروحٍ منه، ومن أجل صعوبة المعركة كان الجزاءُ عظيمًا.

إنَّ وضع الصائم وضعٌ شاق، تدعوه شهوته ويدعوه الله - عز وجل -، تدعوه لأن يلبِّي ندائها، ويدعوه الله إلى أن يَصُمَّ أذنيه عن ندائها، ليحقِّق لنفسه

(1) 1 - المصدر السابق، ص: 290.

١٢٣ / ٢٠٧