تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

المكانة التي أرادها الله له، فإن هو فعل ذلك وتغلَّب على وساوس الشيطان، كان عندئذٍ خليقًا باحتضان الله له في مثوبته وجزائه، وفي عدم تحديد جزاء الصائم، ووعد الله له بأنَّه هو الذي يختصُّ بجزائه وحده تكريم عظيم، والحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصومُ لله وحدَه، وهو الذي يجزي به، ولم يعظم جزاءَ عبادة من العبادات التي فرضها الله علينا مثل هذه العظمة، ولم تَنَل شعيرةٌ من التكريم والتبجيل من عند الله ما ناله الصومُ من تكريمٍ وتبجيلٍ، ذلك لأنَّ الصوم يكاد يكون العبادة الوحيدة التي يبرز فيها الصراعُ والكفاحُ من الإنسان لشيءٍ يتعلَّق بالإنسان ذاته.

إنَّ الصومَ كفاحٌ موجَّه إلى الذات الإنسانية نفسِها، فالإنسان يصارع رغباته وشهواته وغرائزه وميولَه، وكلُّها تحتاج إلى أخلاق عالية يمكن أن نطلق عليها: ”أصول الأخلاق وأعمدتها“، مثل: الصبر الذي هو وليدُ الإرادة والانضباط والإيثار، وقد رفع الله من شأن هذا الخلق العظيم في القرآن حيث يقول: ﴿(((((((يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ (((((((﴾ (الزمر: 10). والصوم مجالٌ ينمو فيه هذا الخلق ويزكو، ففي الصوم تقويةٌ للإرادة، وتربيةٌ على الصبر، فالصائمُ يجوع وأمامه شهيُّ الطعام، ويعطشُ وبين يديه باردُ الماء، ويعفُّ وبجانبه زوجه، لا رقيب عليه في ذلك إلاَّ ربَّه، ولا سلطانَ إلاَّ ضميره، ولا يسنده إلاَّ إرادته القويَّة الواعية، يتكرَّر ذلك منه نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كلِّ يوم، وتسعة وعشرين أو ثلاثين يومًا في كلِّ عام، فأيُّ مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية، وتعليم الصبر الجميل كمدرسة الصيام التي

١٢٤ / ٢٠٧