تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

يفتحها الإسلام إجبارياً للمسلمين في رمضان، وتطوُّعا في غير رمضان(1). ومن هنا ارتبط رمضان بهذا الخلق العظيم الذي هو سيِّد الأخلاق كما أسلفنا، أولم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صومُ شهر الصبر وثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ، يُذهب وَجَرَ الصَّدر»، ورُوي عنه في حديث آخر «لكلِّ شيءٍ زكاته، وزكاةُ الجسد الصومُ، والصومُ نصف الصبر».

إنَّ الصومَ يؤهل الإنسان ليتَّصف بمقوِّمٍ من أهمِّ مقومات الحياة، هذا المقوِّم الذي هو الصبر. يستحيل على الإنسان أن يعيش دون الصبر لأنَّه لا يعيش وحده فيها ـ يعني في هذه الدنيا ـ وهو في حاجة إلى الآخرين شاء أم أبى، وما دام في حاجة إليهم فإنَّه لا بدَّ موَطِّنٌ نفسه على تقبُّل ما يصدر منهم، إنَّ عليه واجب ردِّ الاعتداء عليه من غيره، وإنَّ عليه أن يكظم غيظه في وقت لا حيلة له إلاَّ ذلك، وإنَّ عليه أن يسعى في سبيل عيشه وعيش أهله، وقد يخفق في هذا مرَّات ومرَّات، هذا هو طابع الحياة، وكذلك خُلقت امتحانًا لنا وابتلاءً، ولا نستطيع أن نعيشها إلاَّ بالصبر، وليس هناك وسيلةٌ مجديةٌ لتعلُّم الصبر إلاَّ امتحان الإنسان لنفسه، رقابته على ما يمتحن فيه، والصوم هو مجال هذا الامتحان، وهذه الرقابة الذاتيَّة، غير أنَّ المهمَّ، في هذه المدرسة التي نتخرَّج منها كلَّ سنة، أن نُحافظ على ما تعلَّمناه فيها من دروس وعبر، لأنَّه لا معنى للصبر إن تعلَّمناه وطبَّقناه شهراً في السنة، ثمَّ تخلَّينا عنه في باقي الشهور من حياتنا، بل فائدته أن يستمرَّ معنا طوال حياتنا وسِنيِّ عمُرنا.

(1) 1 - المصدر السابق، ص: 291.

١٢٥ / ٢٠٧