تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

الصوم وحدة للقلوب والمشاعر(1)

إنَّ من أبرز الخصال التي ينمِّيها الصومُ في النفس ”خلق الإيثار“، بحيث يغدو وقد تحرَّر من شوائب الأنانيَّة والفرديَّة، لتجعل منه إنسانًا فاضلاً، يفكِّر في غيره قبل أن يفكِّر في مصلحة نفسه، ولا يستطيعُ ذلك إن هو انقاد لشهوات نفسه وميولها ومتطلباتها التي لا تنتهي عند حدٍّ، وقد قلنا إنَّ الصوم تغلُّبٌ لِلذَّات على الذات، وانتصارٌ للروح على المادَّة، وهذه كلُّها مقدِّمات تؤدِّي حتمًا إلى خلق الإيثار، فإذا تغلَّب الإنسانُ على الأنا المتسلِّطة، استطاع أن يُهيِّأ نفسه لخدمة الآخر ومساعدته، ومدِّ يد العون له، ولن يكون هنالك مجتمعٌ متناسق متعاون تسودُه العافية والوئام إلاَّ إذا تخلَّق كلُّ فرد بخلق الإيثار.

وقد تتَّسع الدوائر التي يتجلَّى فيها خلقُ الإيثار الاجتماعي لدى المسلم بداية من أسرته وانتهاء بأمَّته، فكيف يهيِّء الصومُ النفسَ الإنسانية لذلك؟

إنَّ الإنسان قد لا يحسُّ مرارة الجوع ولهيب العطش إلاَّ إذا صام عن الأكل الهنيءِ والشرابِ المريءِ، ومن لُطف الله وحكمته أن جعل الجوع والعطش ضريبةً إجباريَّةً على كلِّ مسلم، حتىَّ يشعر بمشاعر الفقراء المحرومين الذين قد يعيشون صومًا دائمًا، أو هم إذا شبِعوا يومًا جاعوا أيامًا، وفي هذا توجيهٌ تربويٌّ سامٍ من عند الله للأغنياء الموسرين ليعلموا أنَّ هناك بطونًا

(1) 1 - يراجع: د. محمد البهي، الإسلام في حياة المسلم، دار الفكر، مصر، 1970، ص: 13.

١٢٦ / ٢٠٧