تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

جائعة، وأحشاءً ملتهبة، لا تجد ما تسدُّ به الرمق، فيكونُ لهم ذلك درسًا بليغًا، وإلفاتَ نظرٍ بطريقة ناجعة إلى إخوانهم الفقراء.

إنَّ الصوم إمساكٌ عن الشهوات وتغلُّب عليها، وإنَّ من أخطر هذه الشهوات، حبُّ المال والسعيُ المحموم وراء تكديسه واكتنازه، وتلك طبيعة بشريَّة تحدَّث عنها القرآن، حيث يقول: ﴿((((((لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ((((((((((﴾ (آل عمران: 14)، فالصومُ حين يدفع بالمسلم إلى تناسي هذه الرغبة المحمومة، ولو إلى حين، ينمِّي بين حناياه حبَّ النفقة والتغلُّب على الشحِّ، وبذلك يبذل هذا المال في سبيل مصالح المسلمين، دون اقتصار على الفقراء والمساكين.

ولقد كان الرسولُ الكريم أجودَ من الريح المرسلة في رمضان، حتَّى يعلِّمنا أنَّ الإنفاق في رمضان له من الأجر العظيم ما ليس له في غير رمضان، وحتىَّ يعرِّفنا أنَّ السخاءَ والبذلَ والعطاءَ هي قوام التضامُن في المجتمع الإسلامي، وحتَّى يعرِّفنا أنَّ الإنفاق درجةٌ عاليةٌ فوق بذلٍ أو إعطاء الصدقات الواجبة كالزكاة مثلاً، وقد ربط الله - سبحانه وتعالى - المتقين بخِصلة الإنفاق ولم يربطها بدفع الزكاة، وإنَّما ربطها بصفة الإيمان والتقوى، وهي درجةٌ عالية فوق درجة الإيمان، وتثبيتا لخُلُق التضامن الاجتماعي في النفوس.

فرض الله الصوم شهرًا واحدًا، هذا الشهر يعيِّنه ليصومه المسلمون مجتمعين لا متفرِّقين، وهذا لِحِكَم بالغة، منها: تنميةُ الروح الجماعية في

١٢٧ / ٢٠٧