تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

قومهم، ولم يكن ذلك ليفتَّ في عَضُدهم؛ ولا ليُوهن من عزيمتهم؛ حينما قابلوهم بالصبر سلاحًا. ومن أجل ما للصبر من قيمة ونفاذ؛ أوصى الله نبيَّه محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ليكون مع قومه مثلما كان هؤلاء الرسل، قائلا: ﴿((((((((كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ (((((((((((((((﴾ (الأنعام:34).

وكان الصبر هو الخلق العظيم الذي امتدحهم الله به، وكأنَّ الاتصاف بالصبر، هو الدرجة العظمى التي تؤهل أولئك المرسلين ليمنحهم نصر الله؛ بعد أن يصل بهم إيذاء أقوامهم حدًّا بعيداً، وكأنَّ ذلك امتحان من الله لا بدَّ أن يجتازه الأنبياء والمرسلون كما يوحي بذلك تذييل الآية السابقة: ﴿((((((((((حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (الأنعام:34)، وإلى هذا المعنى تشير آية أخرى حيث يقول - سبحانه وتعالى -: ﴿(((((((((((مِنْهُمْ ((((((((يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا ((((((((((﴾ (السجدة:24)، وهذه حكاية بني إسرائيل.

سيدنا موسى - عليه السلام - ضرب أروع الأمثلة في شعبه بني إسرائيل، الشعب الغليظ الرقبة، الذي كفر بأنعم الله، وهي نِعَمٌ لا نعرف في تاريخ البشرية شعبًا أوتيها، حتى قيل عنه الشعبُ المدلَّل.

أوصى الله رسوله موسى - عليه السلام -، الذي عانى ما عانى مع بني إسرائيل بأن وضع له هذا المنهج الدعويَّ الذي أوصاه الله بأن يسير فيه مع قومه، وهو بأن يذكِّرهم بسيرة الأُمَم السالفة، وكيف كان جزاءُ الصابرين الشاكرين، وإلى

١٣٨ / ٢٠٧