تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٤٣وكان ذلك من موسى قبل أن يحمل أمانة الرسالة إلى بني إسرائيل، وكأنَّ الله - سبحانه وتعالى - يؤهِّلُه بهذه التربية لهذا الشأن العظيم. ولعلَّ اختيار مهنة رعي الأغنام التي امتهنها أغلب رُسُل الله تدريبٌ عمليٌّ على الصبر. لأنَّ هذه المهنة تحتاج إلى عُدَّة الصبر من بين العُدد التي تحتاجها، ومن أجل ذلك كان سيدنا موسى حريصًا على أن يلقِّن الصبرَ لقومه بني إسرائيل حينما كُلِّف بالتبليغ، كما تُخبرنا بذلك الآية الكريمة: ﴿(((((مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِن الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ ((((((((((((﴾ (الأعراف:128).
وقد يتغلَّب الضعفُ البشري على بعض المرسلين، فيستعجلون الهداية لقومهم، أو هم لا يستطيعون تحمُّل الأذى منهم طويلا، كما حدث لسيدنا يونس - عليه السلام - مع قومه، فكان أن عاقبه الله بأن يلتقمه الحوت مدَّة طويلة، يتعلَّم فيها خُلُق الصبر، كما يبيِّن القرآنُ ذلك مخاطبًا الرسول محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، حيث يقول تعالى: ﴿(((((((((لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ (((((((((((((﴾ (القلم).
إنَّ معيَّة الله للصابرين هي معيَّة تقويةٍ وإرشادٍ ومؤازرةٍ وأُنسٍ، فهو لا يَدَعهم يقطعون طريق الدعوة إلى الله وحدهم لأنَّه أدرى بمكر الشيطان؛ وأدرى بضعف الإنسان، ولكنَّ عقابه أيضًا سيكون شديدًا، وحسابُه سريعًا لمن لم يقدِّر هذه المعيَّة فاستعجل النصر؛ أو نكص في منتصف الطريق وتوقَّف دون النهاية وبلوغ الغاية.