تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٥١فئة المجاهدين في سبيل الله
المستوى الثالث: لا يرقي إليه من المؤمنين إلاَّ فئة معيَّنة ثبَّتها الله على الإيمان وزرع في أحنائها اليقين، وابتلاها الله بأنواع متنوِّعة من الابتلاء في الدنيا لتنال الجزاء الأوفى في الأخرى، فمن هم هؤلاء المؤمنون:
إنَّهم المجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم من المهاجرين والنصار، وهم الذين قال الله عنهم: ﴿((((((((((((((((((حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ ((((((((((((((﴾ (محمد:31)، وكانت عدَّة المقاتلين الواهبين نفوسهم لله دومًا، الصبر، بشهادة القرآن، وبه انتصروا رغم قلَّة العدد، لأنَّ القضيَّة هنا لا تتعلَّق بحسِّيات بشريَّة واعتبارات مادية، لقد سمت إلى أعلى من ذلك لتصبح روحانية مطلقة، بعد أن سما أصحابُها بنفوسهم الصابرة الموقنة المجاهدة من الأرض إلى أعلى علِّيين، ﴿(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ (((((((((((﴾ (آل عمران:200).
إنَّ الأمر عظيم والامتحان عسير، لن يستطيع مواجهته إلاَّ من صبر وصابر ورابط، صفاتٌ تلاثٌ، وكلُّ صفة تحمل من المعاني العظيمة ما لا تحمله الأخرى؛ فالصبرُ غير المصابرة، والمصابرة غير المرابطة، على الرغم من العلاقة الوطيدة بينهما والتدرُّج المعنوي بين مستوياتها، فقد يبدأ المجاهد في الميدان صابرًا ثم مُصابرًا ثمَّ مُرابطًا، وتلك صفاتُ الفاتحين الأوائل الذين جاء نصر الله على أيديهم فكرَّمهم الله بنصرة دينه وكرَّم دينه وانتسابه إليه.