تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

ثانيا: إنَّ النصر من عند الله لا شكَّ في ذلك ولا ريب، ولكنَّ نصره لمن يكون أعدَّ نفسه لتحمُّل متطلَّبات النصر، بالصبر والمجاهدة والمرابطة والثبات أمام العدوِّ مهما تكن قوَّته وعدَّته، لأنَّ موازين الله غير موازين البشر. وكانت آيات عظيمة في غزوة حنين عندما دخل بعضُ الوَهَن في صفوف المسلمين، فظنُّوا أنَّ السرَّ في القوَّة المادية المتمثِّلة في كثرة العدد، فعاقبهم الله جزاء هذا التصوُّر الذي هو من وسواس الشيطان. ولنتابع ذلك من خلال هذا المشهد العظيم، بناء على المبدأ القرآني وسنَّة الله التي لا تبدَّل ﴿(((مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ ((((((((((((﴾ (البقرة:249)، ويقول تعالى: ﴿(((((((((((النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا (((((((((((﴾ (الأنفال:65).

فَعِلَّة النصر هنا إذا هي: الصبرُ، الذي هو قوَّة روحيَّة كامنة في نفوس المجاهدين، ولا علاقة لها بالقوَّة المادية المتمثِّلة في السلاح والعتاد، والعلَّة الثانية: هي قوَّة مؤمنة، تواجه قوَّة كافرة لا تفقه أسرار دين الله ونفحاته، وإلاَّ فهل يُقبل المنطق البشري أن يغلب عشرون مائتين أو ينتصر مائة على ألف؟ ولكن إذا شحن الله قلب المؤمن بطاقة الإيمان والصبر قلب موازين الحسابات البشريَّة ولم يعد لها في المنطق الآلي مكانًا ولا اعتبارًا، ودليل ذلك، أنَّ المؤمنين عندما تخلَّوا هذه الاعتبارات طرفة عين، وفي لحظة من لحظات الضعف البشري، خضع كلُّ شيءٍ لمنطق البشر، فكانت الغَلَبةُ حسب درجة الصبر والإيمان،

١٥٢ / ٢٠٧