تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

فئة المتقين

المستوى الرابع: والمقصود بهم هنا من ذكرهم القرآن من المسلمين بعامَّة، كلُّ الذين آمنوا بالإسلام دينًا بمفهومه القرآني، أي الذين آمنوا بدين التوحيد منذ أبينا آدم إلى يوم الناس هذا. فقد خصَّ القرآنُ المسلمين بالذكر ووصفهم بالصبر والتقوى والإحسان في سور عديدة من القرآن الكريم، ولعلَّ أشمل آية تحدَّثت عن المؤمنين الصابرين قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿(((((((((((((1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (((﴾ (العصر).

فقد حصر اللهُ النجاة من الخسران ـ والعياذ بالله ـ في فئة واحدة، هي الكلِّ الذي ينطوي تحته كلُّ الأجزاء، وهم: الذين آمنوا وأثبتوا إيمانهم، أوَّلا: بالعمل الصالح، لأنَّه لا إيمانَ بدون عملٍ صالحٍ دائمٍ، وهم ثانيًا: ممَّن يتحلَّون باتباع الحق والصبر، وهذه قاعدة ثابتة لبناء الحضارة الإنسانية. أربعة أركان: الإيمانُ بالله وحدَه لا شريك له، العملُ الصالح تأكيدًا وتقريرًا لذلك الإيمان، التحلِّي بالحقِّ الذي يشمل كلمة العدل والصدق والتوازن وغير ذلك، والصبر الذي يعتبر عدَّة ضروريَّة لمواجهة صِعَاب الحياة الدنيا ابتغاءَ ما عند الله في الآخرة. وأحسبُ لو استعرضنا الحضارات الإنسانية كلَّها منذ آدم إلى يومنا هذا، على ضوء هذه العناصر لوجدنا، أنَّ هلاكها وديمومتها إنَّما يكون تبعًا لكمال أو نقص أحد العناصر، التي ذَكَرَتها الآية السابقة.

وجاء استثناءُ الصابرين المؤمنين وتكريمهم بمغفرة الله وإعداد الأجر الكبير جزاء صبرهم، في قوله تعالى في سورة هود وهو يعرض علينا حالة من حالات

١٥٤ / ٢٠٧