تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

الإنسان التي تظهر طبيعته المتقلِّبة التي لا تزال متذبذبة بين الشكر والكفر، حسب الحالات التي تعتوره بين الطمأنينة والقلق النفسيين، فإذا مسَّته ضرَّاء كفر، وإذا حفَّت به سرَّاء شكر، ولم يستثن الله من كلِّ الخلق صنفًا من هذا التذبذب سوى صنف واحد هم المتَّصفُون بالتقوى والصبر، يقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿((((((((أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ((((﴾ (هود).

إنَّ من علامات التقوى والورع، أن يبتغي المؤمن من وجوده في الدنيا الدارَ الآخرة، ويتنزَّه عن إغراءات الدنيا، ويدير ظهره لمفاتنها، ويتعالى عن زخارفها، ولا يأخذ من ذلك إلاَّ ما يكونُ وسيلةً لتحقيق هذه الغاية؛ رجاء ما عند الله، وما عند الله خيرٌ وأبقى.

يصوِّر لنا القرآن الكريم في قصَّة قارون الذي أغرته الحياة الدنيا، فظلم نفسه ونَسِيَ ربَّه، وانقاد للهوى والشيطان، من خلال ذلك الحوار الرائع؛ بين المنبهرين بالمال من عبيد الدنيا وبين المؤثرين ما عند الله من عباد الرحمان، ويشهد القرآن أنَّ العاقبة أبدًا للصابرين؛ الذين استطاعوا أن يتَعَالَوا في كبرياء واعتزاز المتَّقين على قارون وحاشيته والسائرين في ركابه. يقول الله تعالى: ﴿((((((((عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (((﴾

١٥٥ / ٢٠٧