تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٥٧(القصص)، فثوابُ الله وجزاؤُه الذي لا يضاهي ولا يماثل، يشترط فيه إلى جانب الإيمان والعمل الصالح؛ الصبر، ذلك ما جاء على لسان أولو العلم؛ الذين يفهمون ظواهر الأشياء وبواطنها فيلهمهم الله رشدَهُم، وفي هذه الآية الكريمة إعلاءٌ لمكانة الصبر، وتشريفٌ للعلم، وتلميحٌ لطيف إلى أنَّ الصبر تعلُّمٌ وتدريبٌ وتجريبٌ ومجاهدةٌ ومصابرة، وهي الصفات التي ينبغي للمؤمن أن يتَّصف بها حتَّى يتغلَّب على نزوات نفسه وشهواتها.
إضافة لما وصف به الله المؤمن المتحلِّي بالصبر من عزيمة، وسداد في الرأي وعلمٍ وحكمةٍ في الدنيا، على النحو الذي أوضحناه آنفا، فإنَّ الجزاء الأخرويَّ الذي يجازي به الله الصابرين، جزاء يتمنَّاه كلُّ مؤمن؛ لأنَّه الجزاء بالجنَّة؛ بل هو الجزاء بغير حساب، كما نتابع ذلك من خلال الآيات الآتية: ﴿((((((((((بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً ((((((((((﴾ (الإنسان:12)، ﴿(((((((((((آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ((((((((((((((﴾ (العنكبوت:58)، منهم العاملون الذين أتمَّ الله لهم هذا المقام العظيم، إنَّهم أولئك الذين يصفُهم الله بقوله: ﴿((((((((صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ (((((((((((((﴾ (العنكبوت:59).
لقد وصف الله أصحاب الجنَّة فقال في صفات أهل الميمنة أهل الجنَّة: ﴿((((كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ((((﴾ (البلد). الإيمانُ بالله، والتواصي بالصبر، والتواصي بالتراحُم بين عباده؛ صفاتٌ ثلاث تؤكِّد العلاقة بين الله وعباده من جهة،