تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٥٩بل إنَّ الله أعدَّ لهم من الأجر والجزاء والثواب مالا يُحدَّد بوصفٍ ولا يُقدَّر بقيمة، إنَّه الجزاء بغير حساب، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿((((يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ (((((((﴾ (الزمر:10)، كأنَّ الله - سبحانه وتعالى - يريد أن يخبرنا بأنَّ الصابرين ابتغاء وجه الله لم يكن في حسبانهم زخرف الدنيا ونعيمها، وما كان في طباعهم انتظار الجزاء من أحد لأنَّهم مُحسنون بالسليقة، فهم يُسقطون من اعتبارهم المنفعة المادية أو حتَّى الإحسان مقابل الإحسان إيثارًا منهم لما عند الله في الجزاء الأوفى، من أجل ذلك كلِّه، فإنَّ الله أيضًا أسقط في جزائهم الحساب والقيمة المحدَّدة، فقال: ﴿(((((((يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ (((((((﴾ (الزمر:10)، ويفعل الله في مُلكه ما يشاء، ويجازي خلقه كما يشاء، وكيفما يشاء، لا مُعقِّب لحكمه، ولا رادَّ لما أراد.
وقد أجل الله هذا الخلق الكريم، أي مقابلة الإساءة بالإحسان فنزله منزلة عظمى دُنيًا وأخرى، فسمَّى المتَّصفين به: مُحسنين، وإلى ذلك وجَّه رسوله الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمَّة القرآن: ﴿((((((عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (((((﴾ (النحل)، ومَن كان الله معه كان في درجة المحسنين دنيًا وأخرى.
وقد أكَّد القرآن هذا التشريف حيث يصف من مقابلة الإساءة