تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

بالإحسان: ﴿((((تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ((((﴾ (فصلت).

فإذا تصرَّف المسلم هذا التصرُّف السامي، الذي يدلُّ على سموِّ نفسٍ، وإيمانٍ لا يُوصف ولا يحدَّد، فتسامى على الانتصار لنفسه، وتجاوز عن الإساءة ابتغاء ما عند الله؛ كان الله عند حسن ظنِّ عبده به، فسما به في منزلته في الجنة، فأعدَّ له من الجزاء والثواب ما لا يوصف أيضا ولا يحدَّد.

وقد يقول قائل: إنَّ الصفة التي أشار إليها القرآن وهي: الصبر؛ واحدة، فلماذا يجازي الله الصابرين في الجنَّة بشيء محدَّد، كأن يقول: ﴿((((((((((بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً ((((((((((﴾ (الإنسان:12)، أو يقول: ﴿((((((((((((يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً ((((((((((﴾ (الفرقان:75)، أو يقول: ﴿((((((((((((يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا (((((((((﴾ (القصص:54)، وأحيانًا أخرى لا يحدَّد على النحو الذي أشرنا إليه سابقا. والجواب عن هذا يعرفه كلُّ من تذوَّق الإعجاز البياني للقرآن، فما يذكره القرآن من جزاء مثل: جنَّةً وحريرًا، أو يُجزون الغرفة، أو يُؤتون أجرهم مرَّتين، إنَّما هو تحديدٌ تقريبيٌّ، يُماشي طبيعة العقل البشري الذي يرتاح للتحديد أكثر مما يرتاح للتمديد. على أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخبرنا بأنَّ في الجنة، « .. ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، فأبعد بهذا النص كلَّ تحديدٍ أو توصيفٍ دنيويٍّ، وإنَّما أحكام تلك الدار ليست كهاته ـ كما يقول العلماء ـ، وهذا القول يفسِّر قوله تعالى الذي ورد كثيرًا في

١٥٩ / ٢٠٧