تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٧٠حشرجة الروح في الثواني الأخيرة من عمر الإنسان(1).
فالذي نستفيدُه من هذا العرض قاعدة جوهرية نفيسة، وهي أنَّ باب التوبة مفتوحٌ لعباد الله ما لم تصعد أرواحهم إلى بارئها، وهذا ما يليقُ برحمة الله وسعة عفوه وكريم عطائه.
وما تعبير الرسول الكريم بالسنة ثم بالشهر ثم بالساعة ثم باللحظة الأخيرة، إلاَّ تعبيرٌ تجسيديٌّ قويٌّ على أنَّ رحمة الله وَسِعَت كلَّ شيء، وإنَّ مغفرته لعباده دائمة مستمرَّة إلاَّ أن يكون شركًا بالله، والعياذ بالله، ﴿((((اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا ((((((((﴾ (النساء:48).
بل إنَّ الله الذي من صفاته المقدسة: الرحمة، ومن أسمائه الحسنى: الرحمان الرحيم، يهيب بعباده إلاَّ يقنطوا من رحمة الله أبدا، وألاَّ ييأسوا من عفوه الواسع لأنَّ اليأس من شأن الكافرين، ﴿(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ((((((((((﴾ (الزمر:53)
وممَّا قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تكرار الذنوب من العباد وتكرار الغفران من الله تعالى: «إنَّ الله يَبسِطُ يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ، النهار ويبسِطُ يده بالنهار ليتوبَ مُسِيءُ الليل، حتى تَطلع الشمس من مغربها». فالآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة تؤكِّد على ضرورة عدم اليأس من رحمة الله مهما
(1) 1 – روى الحديث أحمد بن حنبل، انظر، محمد كامل حسين، (مرجع سابق) ص، 126.