تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

مشرقة للإله الأوحد لهذا الكون الذي يعبده المؤمنون من أعماق قلوبهم، ومن الآيات الكريمة التي تضاعف من حبِّ المؤمنين لربِّهم الرحيم، وتدفعهم دومًا إلى الالتجاء إليه خوفًا منه، وما وصف به نفسه في سورة الانفطار، حيث يقول مخاطبا عباده: ﴿(((((((((((الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ((((((((((﴾ (الإنفطار:6)

يقول أبوبكر الورَّاق إنَّ الله تبارك وتعالى اختار صفة الكريم دون سائر صفاته وأسمائه في الآية السابقة، وكأنَّه يريد أن يلقِّن عبده المؤمن الإجابة على السؤال يوم المحاسبة والسؤال، فيقول غرَّني كَرَمُ الكريم، ورجوتُ رحمته التي تسبق غضبه، والتي وَسِعَت كلَّ شيء.

وقال يحيى بن معاذ: «لو أقامني الله - سبحانه وتعالى - بين يديه يوم القيامة ثم سألني ما غرَّك بي؟ فإنِّي أقول له: غرَّني بكَ، برُِّك بي، سالفًا وآنفًا، وحِلمُك ورَحمَتُك». ويقول الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه، وهو العالم بأبعاد هذه الآية الكريمة: «كم مغرور بالستر عليه ومستدرج بالإحسان إليه»(1). أي إنَّ الإنسان المؤمن إذا ارتكب ذنبًا وستر الله عليه ولم يفضحه، عليه أن يحمد الله تبارك وتعالى على الستر بالتوبة عن الذنب، ولا يغترر بعفو الله ورحمته بأنَّ يستر عليه، وهو مصرٌّ على ارتكاب الذنوب، لأنَّ هذا السلوك من العبد مُنافٍ لمقام المُحسن الرحمان.

وكذلك الحالُ إذا أحسن الله إلى الإنسان فإنَّه يجب عليه أن يحمد الله على نعمائه بالابتعاد عن عصيانه، فرُبَّ نعماءَ استدرجت إلى الاغترار، والاغترارُ شَرَكُ الشيطان.

(1) 1 - محمد كامل حسن المحامي، مرجع سابق، ص، 116.

١٧٣ / ٢٠٧