تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٧٧المعارف التي يستطيع أن يدركها الإنسان في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء.
وقبل أن نتدبَّر بعض ما ورد في القرآن الكريم من الآيات العلميَّة، نحبُّ أن نشير إلى قضية طالما أثارها المفسرون قديماً وحديثًا، وهي التفسير العلمي الذي اختلف حوله المفسرون إلى فئات ثلاث:
ـ الفئة الأولى: تتكئُ كليَّة على معطيات العلم لتفسير آيات القرآن الكريم، فتحاول تفسير كلِّ ما فيه إشارة أو دلالة تفسيرًا علميًّا، وتتحمَّس للإشادة بأسبقيَّة كتاب الله إلى الإخبار عن هذه الظاهرة العلميَّة أو تلك، أو وجود هذا الاختراع أو ذاك؛ وهذا موقفٌ متطرِّف مبالغ كما لا يخفى، لأنَّ النظريات العلميَّة قد تخطئ، وقد يتطوَّر العلم فينسخ اللاحق ما قاله السابق، والنظريَّات العلميَّة جزئيَّة والقرآن كليٌّ، والآراء متغيرات وكلام الله ثابت، والقواعد العلميَّة نسبيَّة وقول الله مطلقٌ. ومن هنا يقع المتحمِّسون من هذه الفئة في خطأٍ منهجيٍّ يؤدِّي إلى إحداث شرخٍ أو قلق ذهنيٍّ إزاء تلك الآيات التي فُسِّرت وفق مقولاتٍ لم يُتَح لها الدوام.
ـ الفئة الثانية: ترفضُ هذا النوع من التفسير رفضًا باتًّا، وتحسبه تعسُّفًا وتحميلاً لآيات الله ما لا تحمل، ومن ثمَّ ترفض الاعتماد على معطيات العلم الحديث تحسُّبًا من مصيرٍ قد لا يتماشى مع جلال كلام الله، وإشفاقًا من أن يؤدِّي هذا إلى جرأة على كلام الله، وتجاوزٌ على صفته القدسية. وهذا الموقف لا يختلف عن الموقف الأوَّل تطرُّفًا وخطأً.
ـ الفئة الثالثة: وهي الأقربُ إلى الصواب، تتَّخذ موقفًا وسطًا، كما