تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ (((((((((((((((} (القصص)، إنَّ هذه الآية الكريمة ردٌّ صريحٌ على ”قارون“ الذي أتاه الله مالاً وجاهًا ونفوذًا، فقال مدَّعيًا مغرورًا: ﴿(((((إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (القصص: 78).

إنَّ قارون استعمل المال لغير الوجهة التي أرادها الله لهذه المنحة العظيمة. إنَّ العلم إصلاحٌ لا إفساد، وتواضعٌ لا جبروت، ومنفعةٌ للخلق أجمعين، لا إشباعًا لنزوات المُترَفين. ومن خلال الردِّ على قارون يضع الله - سبحانه وتعالى - هذا المنهج الرباني المتوازن الذي يحضُّ المؤمنين على أنَّ الاستخلاف في الأرض وعمارتها مبنيَّة دومًا على أنَّ حياة الإنسان في الأرض فردًا أو جماعة ليست أبديَّة؛ وإنما هي عابرة موقوتة.

ومن ثمَّ فإنَّ كلَّ ما نقدِّمه في هذه الحياة الفانية من أعمال ومنجزات يجب إلاَّ تكون هدفًا بحدِّ ذاته، كما هو الحال في جلِّ التجارب الوضعيَّة، إنَّما وسيلة فحسب، لتهيئة الحياة الدنيا لعبادة الله وحده، وإيجاد المناخ المناسب لممارسة مهمَّة الاستخلاف في الأرض التي جاء الإنسان إلى العالم لأدائها، وهكذا يغدو الإنجازُ الحضاريُّ في الإسلام وسيلةً إلى غايةٍ أكبر، ويكتسب في الوقت ذاته أخلاقيَّة كبرى لا نجدها في سائر الحضارات.

يقول الله - سبحانه وتعالى - محدِّدًا رسالة العلم من خلال ثنائه على عبْديه داود وسليمان عليهما السلام، وهو يضع لهما الطريق الذي ينبغي للعالم أن ينتهجه ليحقِّق الشكر على نعم الله: {(وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي

١٨٥ / ٢٠٧