تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٨٧بِمَاتَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ((((} (سبأ).
إنَّ هبة تسخير كلِّ هذه القوى لعباده من طيرٍ وجنٍّ ومعادنٍ، وكلُّها وسائل ضرورية للإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئًا بدونها، يقابلها شرطُ توظيفِها في العمل الصالح، وعمارة الأرض بما ينفع الخلق ويؤدي حقَّ المنعم الأوحد.
إنَّ القرآن الكريم يقف بنا دوما في نقطة التوازن الخلاقة، إنَّه في هذه الصورة يبدأ بإيصال الإنسان إلى قلب الطبيعة ويحشرها في خدمته من أجل الإعمار والبناء، فيسكت القائلين بالتعارض بين العلم والدين، ولكنَّه يؤكِّد في نهاية العرض أن يقف الإنسان عند حدود الحكمة التي يعترضها الإيمان بوجود الأقدر والأعلم. ﴿(((((((قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ (((((((((((﴾ (سبأ:14).
إنَّ هؤلاء الجن الذين سخَّرهم الله لسليمان - عليه السلام -، فأبدعوا له كلِّ هذه الأعمال الباهرة، طاقتُهم محدودة وعلمُهم محدودٌ، وليس أدل على ذلك من الموت الذي أوقف الحياة في نفس سيِّدهم وآمِرِهِم نفسُه ”سليمان“ - عليه السلام -، ثم هم لم يعرفوا ولم يتبيَّنوا حتىَّ الفرق بين الحياة والموت، فراحوا يعملون دون توقُّف ظنًّا منهم أنَّ ”سليمان“ حيٌّ، وشاء الله أن تُنبِّههم على موته حشرةٌ