تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

من أضعف خلق الله؛ الأرضة، تأكُل عصاهُ فيخرُّ، وهنا يتَّضح الحدُّ الذي يصل إليه العلم البشريُّ، والعلمُ الجنيِّ، وأنَّ فوق كلِّ ذي علم عليم سبحانه.

إنَّ هذا المشهد القرآني العظم مجال للاعتبار والتذكُّر والتدبُّر، يدفع الإنسان الضعيف حتىَّ يعرف قدر نفسه ويزنها بقيمتها الحقيقيَّة، فلا يكون العلمُ سببًا لجبروته وطغيانه في الأرض، ثمَّ هي تبيِّن لنا؛ أنَّ العلم مهما اعتلى وارتقى وغاص وتعمق؛ لا يملك الحقيقة الأبديَّة التي يدَّعيها البعض، وأنَّ الكلمة النهائيَّة للإيمان بالواحد الأحد، وأنَّ العلم وسيلةٌ لا غاية.

وقد أكَّد العلمُ الحديث نفسُه، في كشوفاته الأخيرة على الحقائق الأساسية التالية:

1. إنَّه ليس بمقدور العلم التوصُّلُ إلى حقائقَ نهائيَّة؛ فالحقائقُ دائمًا نسبيَّة وليست مطلقة، وقد يصبح ما هو يقينيٌّ اليوم ظنِّيًا غدًا.

2. ليس بمقدور العلم أن ينفي الدين أو أيًّا من الخبرات الإنسانية اللاماديَّة الأكبر حجمًا منه، إنَّ ما يجهله العلم عن عالم الغيب مثلاً؛ ليس أقل حقيقةً من معطيات العلم نفسِه.

3. إنَّ العلمَ يؤكِّد بالمقابل أهمية التجربة الدينيَّة، وضرورَتَها للحياة البشرية؛ فلا أمنَ ولا استقرارَ للنفس البشرية إلاَّ في ظلِّ العقيدة الثابتة والإيمان الصحيح.

4. إنَّ العلم الحديث يكشف من حين إلى آخر عن البطانة الروحية للعالم؛ فيلتقي بالدين الذي هو استجابة للأشواق الروحية.

5. إنَّ الكشوفَ العلميَّةَ الحديثَة جاءت كما يقول العالم ”سوليفان“ لكي

١٨٧ / ٢٠٧