تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٨٩

تقطع الطريق أمام تلك المناقشات التي قامت لتثبت أنَّ أيًّا من التفسيرات الدينيَّة ما هي إلاَّ مجرَّد وهمٍ، وقد فعلت هذا عندما أظهرت أنَّ العلم لا يعالج إلاَّ ناحية جزئيَّة من الحقيقة، وأنَّه لا يوجد أدنى سبب يبرِّر الافتراض بأنَّ كلَّ ما يجهله العلم أو يتجاهله هو أقلُّ حقيقةً مما يعرفه.

6. إنَّ أكثر النظريات الفيزيائية حداثةً؛ تُقدِّم تأكيدًا أشد على تهافت المادية وتشير بلسان العلم المختبريِّ ومعادلاته الرياضية المركَّبة إلى الوجود الروحي في قلب الكون وفي صميم الذرَّة، وإنَّا لنقف هنا خاشعين أمام جانب من جوانب الإعجاز القرآني المتمثِّلة في تلك الآيات الكريمة التي تٌحدِّثُنا عن تسبيح الكون والذرَّات للخالق العظيم، حيث يقول - سبحانه وتعالى - مثلا: ﴿((((((لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ (((((((((((﴾ (الحديد، الحشر، الصف).

وخلاصة القول: إنَّ نظرة القرآن الكريم إلى العلم طرف ثابت لكمال الإيمان .. وإنَّ الإيمان الذي يقوم عليه بنيان الدين يجيءُ دائمًا بمثابة ”مُعَاملٍ حضاريٍّ“ يمتدُّ أفقيًّا لكي يصبَّ إرادة الجماعة المؤمنة على معطيات الزمن والتراب، ويوجِّهها في مسائلها الصحيحة، ويجعلها تنسجم في علاقاتها وارتباطاتها مع حركة الكون والطبيعة ونواميسها، فيزيدها عطاءً وقوَّة وإيجابية وتناسقا … كما يمتدُّ عموديا في أعماق الإنسان لكي يبعث فيه الإحساس الدائم بالمسئولية، ويقظة الضمير، ويدفعه إلى سباق زمني لا مثيل له لاستغلال الفرصة التي أتيحت له، كي يفجِّر طاقاته ويعبِّر عن قدراته التي منحه الله إياها على طريق القيم التي يؤمن بها، والأهداف التي يسعى لبلوغها، فيما يعتبر جميعا ـ في نظر الإسلام طبعا ـ عبادةً شاملة، يتقرَّب بها الإنسان إلى الله.

١٨٨ / ٢٠٧