تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٩٠

مكانة الأسرة في القرآن الكريم

إنَّ الله - سبحانه وتعالى - يضع القواعد الراسخة لبناء المجتمع المتكامل، وهذه القاعدة هي الأسرة، نجدها في قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا ((((((((( .. ﴾ (النساء: 01)، إشعارٌ بقيمة الرجوع إلى أصل واحدٍ، وهي الخليَّة الأولى، التي تفرَّعت عنها الخلايا الأخرى، بدأً بالزوجة التي يكمُل بها نصف الدين مع أنَّها خُلقت من هذه النفس الواحدة: ﴿ .. ((((((((مِنْهَا (((((((((﴾ (النساء:01)، وفي هذا إشارة إلى أُمِّنا حوَّاء التي خُلقت من ضلع أبينا آدم.

ولأمرٍ عظيمٍ توجَّه الخطاب إلى الناس جميعًا، فلم يقل: ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ إشعارًا منه بهذه الرابطة الإنسانية، التي ينبغي أن تربط بين أفراد المجتمع الواحد مهما يكن جنسهم ودينهم ومستواهم، ومما يدلُّ على تعظيم الله لشأن الأسرة، تلك القيمة العظيمة التي أعطاها للوالدين تقديرًا لدورهما وتحميلا للمسؤولية لهما، فربط بين طاعته وطاعة الوالدين؛ ﴿(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)، فأيَّة مكانةٍ أعظم من هذه المكانة التي ربط فيها الله - سبحانه وتعالى - طاعتَهُ بطاعة الوالدين، إنَّ المقياس الوحيد الذي يضمن البرور بين الأبناء لوالديهم، هو أن تكون طاعتُهم لوالديهم في مكانة طاعة الله - سبحانه وتعالى -، حتىَّ أنَّه فَرَضَ مصاحبَتَهُما بالمعروف حتىَّ في حالة إشراكهما بالله، نظرًا لما لهم من حقِّ الإحسان والبرور، وفرقٌ كبير في هذه الحالة بين الطاعة وبين الإحسان، بطبيعة الحال، لأنَّه لا يُعقل أن نطيعهما إذا دعوانا إلى الشرك

١٨٩ / ٢٠٧