تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٢٠

آيات الله العظيمة في الكون

إنَّ الله سبحانه وتعالى العليم بخلقه يعرف عنَّا الغفلة وبلادة الفكر والنسيان، بحكم الإلف والعادة، أو بحكم الانشغال والانصراف إلى أمور الدنيا، فلو كانت هذه المشاهدُ قليلةَ الوقوع لا تحدُثُ إلاَّ مرَّة في عدَّة سنوات مثلاً، لاحتفل الناس بها وخرجوا من أمورهم يترقَّبون مرورَها، فهم يترقَّبون الكسوف والخسوف ويسافرون من أجل التطلُّع إليهما ودراستهما، وقد يقطعون المسافات الطويلة من أجل تأمُّل ظاهرة كونيَّة، كهذه الظاهرة الكونية التي تستثير إعجابهم، وتستوقف تساؤلهم، وتوقظ في أعماقهم الإيمان، ولعلَّنا نذكر أنَّ مرور نجم ”هالي المذنَّب“ الذي يظهر في كلِّ سبعين سنة فيما نظنُّ، كان قد أثار فضول العلماء والباحثين فراحوا يقصدون أقاصي الدنيا بمعداتهم العلمية يتأمَّلون؛ وهذا مثالٌ تقريبي مع وجود الفارق، وهو أن يكون التأمُّل بدافع علميٍّ أو علميٍّ وإيمانيٍّ أيضًا، وحبَّذا لو اقترن العلم بالإيمان ليكون ذلك مصداقًا للآية الداعية للتأمُّل والنظر والتفكير في مشاهد هذا الكون الفسيح، وقد ذكرت الآية الكريمة أربعة مشاهد، نبدأُ استعراضَها مشهدًا مشهدًا.

المشهد الأول: تسبيحُ المخلوقات، كما ورَد ذلك في الآية الكريمة: ﴿((((((تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (النور: 41)، أي ألم تعلم أيُّها الإنسان بالدليل، أو أيُّها النبي بالدليل، والخطاب يشمل المؤمنين كلَّهم بطبيعة الحال، أنَّ الله سبحانه وتعالى ينزِّهه ويقدِّسه كلُّ من في السماوات والأرض من العقلاء،

١٩ / ٢٠٧