تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٢١

وغيرهم من الملائكة، من الإنس والجنِّ والجمادات، ومنها الطير الباسطات القابضات أجنحتها حاَلَ طيرانها في جوِّ السماء كي لا تسقط، تنزيهًا يدركه المتأمِّل بعقله السليم، إذ أنَّ تكوينها بخصائصها المتفاوتة يدلُّ في حدِّ ذاته على وجود الخالق لها، أو إيجاد الخالق لها، وقد خصَّ الله سبحانه وتعالى، الطير بالذكر في القرآن عدَّة مرَّات لما لها من دلالة خاصة على بديع صنع الله وكمال قدرته التي تحار فيها عقول بني آدم، لأنَّ وقوف الأشياء الثقيلة في الجوِّ أثناء الطيران حجَّة واضحة على كمال قدرة الخالق المبدع. ولو تأمَّل الإنسان حقَّ التأمُّل في هذه الآية لوجد فيها ما يدلُّ على رحمة الله بعباده وتسخير كلِّ شيءٍ لهم كما قال: ﴿(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا (((((((((﴾ (الإسراء: 70)؛ فقد حملهم في الجوِّ بفضل هذه الطيور التي خلقها وأبدع خلقها، فلولاها لما عرف الإنسان كيف تطير هذه الطائرة الثقيلة التي تحمل مئات الناس، وتقطع بهم آلاف الكيلومترات، فقد دلَّت التجارب العلميَّة على أنَّ المخطِّطين للطائرات، منذ أوَّل تجربة للطيران علِمَتهُ البشرية مع ”عبَّاس بن فرناس الأندلسي“، إلى المكُّوكات الفضائية التي نشاهدها اليوم، هذه الظواهر العلمية كلُّها تستقي وتستفيد من خِلقة الله للطيور، وفي إبداعه في تكوين أجنحتها قبضًا وبسطًا، وهذه الآيات تدخل في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. وفي هذا إشارة أيضا إلى أنَّ المرءَ مهما يتقدَّم علميًّا ويتجبَّر فكريًّا، لن يستطيع مهما يحاول أن يخرج عن قدرة الله ونفوذه شاء أم أبى، في حال الطاعة وفي حال المعصية. ويؤكِّد هذا الملمح اللطيف ما انتهت

٢٠ / ٢٠٧