تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٩٢على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه»، ومن هنا المبدأ؛ يبدأ حرص الإسلام على تكوين الأسرة الصالحة من حثِّه على الزواج أيضًا، وهذه الخطوة الأساسية في الحياة، لأنَّ السلوك سيُبنى أساسًا على العقيدة، سليمة كانت أم زائغة، فطريَّة أم محرَّفة، لأنَّ الله إنَّما خلق الإنسان على فطرة التوحيد، فالمولود لو لم يقلِّد آباءَه في طقُوسِهم وعباداتهم، ولم يلقِّنه آباؤه ما هم عليه من تحريفٍ أو تقليد، لا استطاع أن يصلِّي لله، ويرتبط بحبله المتين، وهو الدين الخالص الذي حدَّده القرآن الكريم: ﴿((((((((وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (الروم: 30)، ومن هذا المنظور ننظر إلى دور الوالدين في تكوين المجتمع الأُسَري الصالح.
إنَّ الأسرة هي الخليَّة الأولى للمجتمع الكبير، وليست صحيحةً تلك النظرية التي تقول إنََّ الفرد هو أساس المجتمع، لأنَّ الفرد وحده لا يمكنه أن يعيش وحده بعيدًا عن الأسرة والمحيط، والفردُ لا يكتمل إلاَّ بالنصف الآخر الذي هو الزوجة، كما عبَّر عن ذلك الحديث الشريف: «من تزوَّج فقد كمُل نصفُ دينه، فليتَّق الله في النصف الآخر»، إشعارًا للأهمية التي تكتسيها الأسرة في بناء المجتمع الصالح، لأنَّه لا أسرةَ دون زواج، ولا أمَّة دون مجتمع أسري متماسك، ومن ثم فإنَّ الأسرة في الإسلام هي أصل الفضائل الخُلقيَّة، كما كانت أصل الفضائل العَقدية، ولا نتصوَّر أفرادًا أسوياء إلاَّ في محيط أسري سويٍّ، يتعامل أفراده فيما بينهم بالرحمة والعطف والتضامن والتسامح والتعاون والتآزر. يقول الكاتب الكبير ”العقاد“: «وإذا تتبَّعنا سائر الفضائل والمناقب المحمودة، بلغنا بها في أصلٍ من أصولها على الأقل مصدرًا من مصادر