تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

توجيهٌ ربَّاني سامٍ إلى أولئك الذين يبنون اختيار الزوجات أو الأزواج على أساس الغريزة الجنسيَّة، أي اختيار يقف وراءه الإعجاب بالجمال أو الميل إلى الفتنة الجسدية ليس إلاَّ. يُذكر أنَّ رجلاً جاء لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: «إنَّ حُبَّه لزوجته قد خبا [أي زال] وأنَّه يريد أن يستبدل بها، فقال له عمر: وَيحَك، أَوَكُلُّ بيتٍ يُبنى على الحبِّ، أين تقوى الله وعَهدَهُ؟ وأين حياؤُك منه؟ وقد أفضى بعضُكم إلى بعضٍ، وأخذ الله تعالى مِنكُم ميثاقًا غليظًا؟». وسأل رجل الحسن البصري: «في خاطبين تقدَّما لابنته، أيُّهما يُزوِّج، فقال: أرضاهما دِينًا، فإن أحبَّها أكرمها، وإن كَرِهَهَا لم يَظلِمْها».

ولكي يحفظ الإسلام لهذا المحيط قدسيَّته، وضع له حقوقًا وواجبات؛ بعضها على الزوج لزوجته، وبعضها الآخر على الزوجة لزوجها. ونحن لا نريد الدخول في تفاصيل هذه الحقوق، وإنَّما نستطيع القول: إنَّ مردَّها جميعا إلى تلك الأسس العظيمة التي وضعها الله - سبحانه وتعالى -، والآية الكريمة التي جعلها هدفًا للزواج، المودَّة والرحمة والسكون. ولذا نجد القرآن الكريم يحتفل بالأسرة المسلمة احتفالاً عظيمًا، ويخصِّص للأسرة المسلمة سورةً كاملة من سور القرآن الكريم، وهي سورة ”النور“، التي ينبغي أن يحفظها كلُّ مسلمٍ عن ظهر قلب، ولعلَّ في اختيار القرآن لها عنوان ”النور“، ما يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ الله اختارها لتكون نورًا لكلِّ مسلمٍ يهتدي به في طريق الحياة، كما حثَّنا على ذلك الفاروق فقال - رضي الله عنه - عن النساء: «علِّموهن المغزل وسورة النور»، إدراكًا منه لما في هذه السورة من تشريعات مهمَّة تُسيِّج الأسرة المسلمة بسياج الدين، وتحصَنُها بحصن العفاف، وتدفع بها في

١٩٤ / ٢٠٧