تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٩٦طريق النور الذي أراده الله لعباده المسلمين. وقد سُمِّيت بالنور: لتنويرها طريق الحياة الاجتماعية للناس، ببيان الآداب والفضائل وتشريع الأحكام والقواعد، ولتضمُّنها الآية المشرقة وهي قوله تعالى: ﴿(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النور: 35)، أي ينوِّرُها بنوره، ليهتدي الحيارى والضالُّون إلى طريقه. يقول الشهيد ”سيد قطب“: سورة النور، يذكر فيها النور بلفظه متصلاً بالله ﴿(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النور:35)، ويذكر فيه النور بآثاره ومظاهره في القلوب والأرواح، ممثلةً هذه الآثار في الآداب والأخلاق التي يقوم عليها بناء هذه السورة، وهي آدابٌ وأخلاق نفسية وعائلية وجماعية، تنير القلب وتنير الحياة، ويربطها بذلك النور الكوني الشامل، إنَّها نورٌ في الأرواح وإشراقٌ في القلوب، وشفافيةٌ في الضمير، مستمَدَّة كلُّها من ذلك النور الكبير، وهي تبدأ بإعلان قويٍّ حاسمٍ عن تقرير هذه السورة وفرضها بكل ما فيها من حدود وتكاليف ومن آداب وأخلاق ﴿(((((((أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ (((((((((((﴾ (النور:01)، فيدلُّ هذا البدءُ الفريد على مدى اهتمام القرآن بالعنصر الأخلاقي في الحياة، ومدى عمق هذا العنصر وأصالته في العقيد الإسلامية، وفي فكرة الإسلام على الحياة الإنسانية، والمحور الذي تدور عليه السورة كلُّها، هو محور التربية، التي تشتدُّ وسائلها إلى درجة الحدود، وترقى إلى درجة اللمسات الوجدانية الرقيقة التي تَصِلُ القلبَ بنور الله، وبآياته المبثوثة في تضاعيف الكون وثنايا الحياة، والهدف واحدٌ في الشدَّة واللَّين، هو تربية الضمائر واستجاشة المشاعر ورفع المقاييس