تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٩٩والمسلمة، ثم ذكر هذه السورة الكريمة، قصَّة الإفك، التي اتهمت فيها أمُّ المومنين عائشة - رضي الله عنه - تبرئةً لساحتها، وتطهيرًا للمجتمع الإسلامي من سوء الظنِّ، والتسرُّع إلى هتك أعراض الناس، ومقاومة لشيوع الفاحشة، وترديد الإشاعات المغرضة، والابتعاد عن وساوس الشيطان ببثِّ الشكوك والأوهام بين أفراد المجتمع المسلم، فإنَّ هذه الوساوس والإشاعات تعتبر مقدِّمات لنشر فاحشة الزنا والتجرُّؤ على هتك أعراض المسلمين، وهذا سياج ثانٍ.
ثمَّ حدَّدت السورةُ الكريمةُ الآدابَ الاجتماعيةَ في الحياة الخاصَّة والعامَّة بذكر السلوك الذي ينبغي للمسلم أن يتحصَّن به، والخلق الذي يتحلى به وهي الاستئذانُ عند دخول البيت، غضُّ الأبصار، وحفظُ الفروج، وتحريم الاختلاط بين الرجال والنساء وغير المحارم، وتزويجُ الأيامى أي غير المتزوِّجين من الرجال والنساء، والاستعفافُ لمن لم يجد مؤونة الزواج، وهذا سياج ثالثٌ.
ثمَّ أبانت مزيَّة التشريع الإسلامي، وأنَّه نور وهدى، وأنَّه لا نور إلاَّ نور الهداية الربانية الذي يشعُّ من بيوت الله، التي ينبغي أن تكون بيوتًا يعمرها أحبابُ الله، وفي المقابل بيَّن عدم جدوى أعمال الكفَّار ولو حسبوا أنَّها مُجدية، لأنَّها أشبه بالسراب الخادع، الذي يحسبه الظمآن ماءً، أو هي ـ والعياذ بالله ـ كالظلمات المتلاطمة في البحر اللُّجيِّ. ولأنَّ الكفَّار حين فقدوا الإيمان بالله فقدوا كلَّ شيء، فلم يعد يُجدي عملهم ولو خُيِّل إليهم أنَّه كبير، لأنَّهم أنكروا الأساس وهو وجود الله، ومن ثمَّ تعرض علينا السورة الكريمة بعض البيِّنات الدَّالة على وجود الله، ووحدانيَّته في صفحة الكون الأعلى والأسفل.