تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٢٣

فوق، وقد تجلَّت لهم اليوم هذه الحقائق فشاهدوها ورأوها رأي العين، وما أعظم قدرة الله ونحن نستحضر هذه المشاهد التي نراها للسحب المتراكمة عند ما نسافر بالطائرة مثلاً، ولا سيما إذا كان الوقتُ شتاءً، بل قد نتذكَّر هذا الوصف الرائع البليغ من خلال تلك الألوان التي تمتزج بهذه السحب عندما تنعكس عليها أشعة الشمس وقت الغروب، فتتجلَّى فيها قدرة الله - جل جلاله - جمالا وجلالا لا ينتهيان.

ولنستمر في بقيَّة الآية بقوله تعالى: ﴿(((((((الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ (((((((((((((﴾ (النور: 43)، أي ترون المطر يتكوَّن قطرة قطرة من خلال السحب، وينزل وابلاً أو طلاًّ أو رذاذًا، هذه القطرات التي تحيي فيتكوَّن منها النماء والخير والخصب، فهي بمجرَّد أن تلامس سطح الأرض حتىَّ تدبّ فيها الحياة وتتحرك بِرَحِمِها البذور لتؤتي أكلها بعد ذلك للناس، والعجيب في الأمر كيف تتحوَّل هذه القطرات المتناثرة الضعيفة المتفرقة هنا وهناك لتصبح بعد ذلك سيولا قويَّة تتدافع بها الوديان في الصحاري والجبال، ولا تستطيع أيَّة قوة مهما تكن الوقوف في سبيلها، إنَّها قوة الله - سبحانه وتعالى -. إنَّ هذا السحاب الذي يُخرج المطر، أو يَخرج المطر من خلاله، فيكون سببًا للخير والنماء والخصب، قد يتحوَّل حسب إرادة الله ليكون عذابًا أليمًا يسلِّطه بَرَدًا على من يشاء من عباده، أو برْدًا شديدا يهلك به العباد والبلاد، وهي مناظر تتكرَّر في كلِّ أنحاء المعمورة كما نشاهد في هذه الأيام.

٢٢ / ٢٠٧