تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٢٤

يحدِّثنا العلم عن هذه الظواهر الطبيعية ويصف تحوُّلاتها وتقلُّباتها على أنَّها ظواهر طبيعية تبدأ بتبخُّر مياه البحر، وأقصد بهذه الظواهر الطبيعية، إنزال المطر كما بيَّنتُ ذلك في الحديث السابق، يقول العلماء إنَّ هذه الظواهر الطبيعية تبدأ بتبخُّر مياه البحار التي هي أربعة أخماس (4/ 5) المعمورة، وفي هذه النسبة العظيمة تتجلَّى حكمة الله ورحمته بعباده الذي جعل من الماء كلَّ شيء حيٍّ، فمن ماء البحار والبرك والأنهار تتكوَّن السحب، ثمَّ تهب الرياح الباردة فتُحِيلُها مطرًا وبردًا أو ثلجًا، ويُفصِّل العلماء الحديث في أسباب هذه الظواهر تفصيلاً دقيقا ولكنَّهم قلَّما يربطون بين هذه الظواهر وبين قدرة المولى - جل جلاله -، وربَّما لا يتعرَّض إلى هذا الربط بين الأسباب والمسبِّبات إلاَّ المتخصصون من العلماء الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان، وهذه في الحقيقة ظاهرة سلبية للأسف الشديد تتنافى مع الإيمان الصحيح، فإنَّ الله يدعونا إلى أن نربط بين الإيمان والعلم، ونؤيِّد العقل بالعاطفة، وندرك الأسباب والمسبِّبات، إنَّ تفاسيرهم للظواهر الطبيعية صحيحة لا نجادل فيها، ولكن الصحيح أيضا أنَّ وراء هذه الظواهر خالقُ الظواهر، فمَن الذي خلق البحار وأحال الماء بخار، وأنشأ الرياح اللَّواقح، وجعل من البحار مطرًا وبردًا، وأنزل الماء بقدرٍ معلوم، وعزل عنصر الماء عن عنصر الهواء فسبحان من صنع وأتقن كلَّ شيءٍ صُنعًا، وسبحان من يصيب من يشاء برحمته أو نعمته ويصرفها عمَّن يشاء، لا يملك البشر ذلك بقوَّتهم، ولا بعلومهم، لا دفعًا ولا نفعًا، فتراهم ينظرون ولا يملكون من الأمر شيئًا، والأمر كلُّه لله، وفي هذا ما يكفي للاعتبار ويدعونا إلى توحيد الواحد

٢٣ / ٢٠٧