تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٣٣ومنها من يمشي على رجلين كالإنسان والطير، ومنها من يمشي على أربع كالأنعام وسائر الوحوش البرِّية الأخرى، وقدرة الله لا تتجلَّى في التنوُّع والاختلاف فحسب، بل تتجلَّى في موافقة الصورة للدَّابة ومحيطها وبيئتها، فكلُّ حيوان بل كلُّ دابَّة مخلوقة على الصورة التي تليق بها، وعلى الشكل الذي يساعدها على القيام بمهمتها في الحياة أحسن قيام: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ ((((((((﴾ (الغاشية:17)، أفلا يتأمَّلون في شكلها الذي خُلق خصيصًا ليتماشى مع بيئة الصحراء؛ سنامٌ يختزن الطعام، ومعدة تختزن الماء، ومِشفَر يلاءم النباتات الصحراوية ليِّنِها وحادِّها، الممتدِّ على الأرض كالأعشاب، والنابت على الأرض كالأشجار، ثمَّ هذا الخفُّ الملائم للرمال والأحجار والطلوع والنزول، والصفات المدهشة التي لا تنتهي، ومجال الاعتبار لا ينفَذ. وهنالك مجال للاعتبار والإدِّكار يكمن في الفارق العظيم بين الحيوان والإنسان، لا من حيث الجوهر والمخبر، فذلك أمرٌ آخر، وإنَّما من حيث الشكل والمظهر أيضًا، أليس في قوله تعالى: ﴿(((((((((مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى (((((((( .. ﴾ (النور:45)، تمييزًا للإنسان الذي خصَّه الله بالمشي على اثنين على هذا النحو، مرفوع الرأس، يستخدم يديه في التناول، فيتصرَّف بهما كيف يشاء بدقَّة متناهية، إنَّ الله سبحانه وتعالى لفت نظرنا إلى هذا الجانب الهام، إنَّه يذكِّرنا بذلك بما امتنَّ الله به علينا من هذه الصورة الجميلة: ﴿((((((خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ (((((((((﴾ (التين:04)، نمشي على رِجلين، ونبطش بيدين، ونتصرف بأصابع مختلفة، ونتجوَّل برأسٍ مرفوعة .. كلُّها صفاتٌ تليق بالكرامة الإنسانية التي فضَّلنا الله