تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٣٤بها على سائر المخلوقات الأخرى، حتى تكون في خدمتنا وطوع إرادتنا ورهن إشارتنا، وهو الذي سخَّرها لنا وذلَّلها لحاجتنا، خاضعةً راكعة حانية ظهرها لنركبها، ممدَّة أعناقها لنقودها، وما كانت لتكون كذلك لولا تسخير الله لها لنا. ثمَّ إنَّ فيما ذكر ما تقدم من أنواع الحيوانات كالطير والزواحف، تمثيلٌ لا حصر، فما خلق الله أجل من ذلك وأعظم، وإنَّما يذكِّرنا به للاعتبار، ويلفت أنظارنا إليها حتىَّ نعرف قيمتها الحقيقية فلا نطغى ولا نتجبَّر، بل حتىَّ نُقدِّر نعمته بالرأفة عليها والرحمة بها، ونقول خاشعين: ﴿((((((((الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا ((((((((((((((﴾ (الزخرف).
كلَّما تقدَّم العلمُ تقدَّم الاكتشافُ وتطوَّر الإبداع والاختراع، ودلَّ على الطاقة العظيمة التي أودعها الله في عقل الإنسان، هذا الكائن الضعيف، كما دلَّ على فضل الله على هذا الإنسان الذي سخَّر له ما في السماوات وما في الأرض، وكرَّمه بأن جعله خليفة في الأرض، ولكن هذا العقل قد ينحرف أحيانا ويطغى ويُخيَّل إليه في لحظة من لحظات الضلال وغلبة الشيطان، أنَّه هو الأقدر والأعلم، وأنَّه بعلمه ذاك في غنًى عن أن يعترف بفضل الله عليه، وبأنَّه مخلوقٌ ضعيف، فوقه من هو أقدر منه، وقدرته لا تحدُّ، ومن هو أعلم منه، وعلمه لا ينتهي، وحتى لا يضل هذا العقل وينحرف عن فطرته، هيَّأ الله له سبحانه وتعالى من حَوَاليْه هذا الكون العظيم، الذي يذكره كلُّ ما فيه بضعفه وعجزه من جهة، وينبِّهه إلى عظمة الخالق وقَيُّومِيَّته من جهة ثانية. ولم يأت على الإنسان عصرٌ مثل عصرنا هذا الذي بلغ فيه العلم الناظر في الطبيعة من حولنا مبلغًا عظيمًا، بحيث نستطيع أن نقول بكلِّ جُرأة وثقة: إنَّ جميع كتب