تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٣٥العلوم الطبيعية هي كتب في التوحيد ومعرفة الله، وإنَّها تُلقي علينا دروسًا في عظمة الله الخالق؛ لأنَّ هذه الكتب تُزيح الستار عن نظام الخلق المدهش وتَدلُّنا على مدى عظمة خالق الكون وقدرته(1). وقد احتجَّ الله سبحانه وتعالى وتحدَّى الذين يجعلون له شريكا بأن ضرب لهم مثلاً، بأصغر وأتفه مخلوق من مخلوقاته، ليستخرج منه العبرة عن أعظم صفةٍ من صفاته، وهي الخلق: ﴿(((((((((((النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ((((﴾ (الحج).
فلو اجتمع علماءُ الأرض جميعهم، منذ الأزل إلى الأبد، على أن يخلقوا ذبابةً واحدة ما استطاعوا، هذه الذبابة التي يراها الإنسان بعين الاستقذار والاشمئزاز والاحتقار، هذه التي تتحدَّاه مذكِّرة إياه بضعفه اللامتناهي، ولو جمع كلَّ ما يملك من قوَّة العلم، وبراعة الاختراع، ودقَّة الإبداع. ثمَّ يتحدَّانا الله تعالى بصورة أخرى مستخرجةً من المثل نفسِه، هذه الذبابة الضعيفة الحقيرة تُعجز البشر جميعا أوَّلهم وآخرهم إنسَهُم وجِنَّهم، عن استرداد أي شيءٍ تأخذه من طعامهم أو شرابهم لأنَّها بمجرَّد أخذها ذلك، تصبُّ عليه من لعابها ما يحوِّله فورًا إلى مادة أخرى أو شيء آخر لا نعلمه، هذا الشيء الذي لا يستطيع العالم أجمع أن يستعيده، فأيُّ ضعفٍ أشدُّ من هذا الضعف، وأيُّ عجز أحطُّ من هذا العجز، ذلك لأنَّ الله الخالق الرازق هو المتَّصف وحده
(1) - ناصر الدين مكارم الشيرازي، سلسلة دروس في العقيدة الإسلامية، ص: 39.