تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٣٦بالقوَّة والعزَّة، فلا يجوز لأي إنسان مهما بلغ درجة من العلم والقدرة والاستطاعة أن يدَّعيَ ذلك، لأنَّه سيقف عند هذا إلى الفاصل المحيِّر بين الحياة والموت، بين الفناء والوجود، ويصل بذلك إلى حدِّ العجز، ويصل إلى الفارق بين العجز والاستطاعة. إنَّ الحياة التي نفخت في هذه الذبابة الحقيرة، وتنفخ في الكائنات الأخرى المتنوِّعة حجمًا، المختلفة شكلاً، لا تكون إلاَّ من الحيِّ القيوم الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ، ﴿(((((مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (((((((﴾ (الحديد: 2). هذا مثل من الحيوان، ولنأخذ مثلا آخر من عالم النبات.
ما من شكٍّ في أنَّنا جميعًا نبهج بمنظر الحشرات الصغيرة، مثل الفراشات والنحل والذباب الذهبي، حين نلحظها وهي تتطاير في اتجاهات مختلفة تنتقل من زهرة إلى أخرى، ومن غصن إلى آخر، والقليل منَّا من يفكِّر في سرِّ هذا الطيران النشط في كلِّ الاتجاهات، وقد يخيَّل إلينا أنَّها تطير فرحا واستبشارًا بالربيع، وهي بهذه الحركات تعلن عن فرحتها تلك، والواقع أنَّها تقوم بأعمال مهمَّة للغاية، يقيِّمها أحد العلماء قائلا: «قلَّما يعرف الإنسان أنَّه لولا الحشرات لبقِيَت سِلالُنا خاليةً من الفاكهة»(1)، إنَّ تلك الحشرات تقدِّم للإنسان وللطبيعة أعظمَ عمل توازني؛ إنَّها تقوم بعملية اللَّقاح؛ إذ من المعروف أنَّ الأزهار كالحيوانات تنقسم إلى ذكر وأنثى، وما لم يتمَّ الاتصال والتلقيح فلن تكون هناك ثمرة، وبالتالي لن تكون هناك بذرة، هذه العمليَّة التي تدلُّ
(1) - ناصر الدين الشيرازي (مرجع سابق) ص، 51.