تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٣٨لقد ضربنا المثل بالحشرات، وسنواصل الحديث عن عظمة الخالق مع النبات، وقد رأينا ذلك التعاون العجيب بين النحلة والزهرة الذي يقوم من خلاله التوازن في الطبيعة، فيضمن بذلك الحياة الرغدة للإنسان، إنَّ الحشرة تنجذب طواعية إلى الزهرة لأنَّ الله ركَّب في داخلها رحيقًا عذبًا طيِّبا، طيِّب الطعم لا تستطيع الحشرة مقاومته، فهي بذلك تنجذب إليه طواعية، وهكذا تقوم بعمليَّة اللقاح بما تحمله في رجليها من الزهرة الذكر إلى الزهرة الأنثى، وهكذا تستفيد الحشرة والزهرة معًا؛ تستفيد الحشرة بأخذ الرحيق من النبتة، وتستفيد النبتة من الحشرة بما تحمله في أرجلها من لقاح من الذكر، فتستفيد بذلك الأنثى، ولنا أن نتساءل أمام هذه الآيات الخالدات، من الذي أعطى الحشرات أرجُلَها اللطيفة التي تُبيحُ لها التنقُّل، أو تبيح لها حمل لقاح أزهار من مكان إلى آخر؟ ولماذا يتَّجه النحلُ في فترة معيَّنة إلى نوع معيَّن من الأزهار؟ ولماذا بدأ تاريخ حياة الحشرات والأزهار في وقت واحد في عالم الخلق؟ أهناك من يمكن أن يصدِّق مهما يكن معاندًا لجوجًا أنَّ كلَّ هذه الأمور قد جرت على غير خطَّة موضوعةٍ من قبل? أيعقل أن يحدث كلُّ هذا الذي يحيِّر العقول بقوانين عشوائية تضعها طبيعة عمياء لا تدرك شيئًا!! كما يدَّعي بذلك الملاحدة والمشركون ومن لفَّ لفَّهم، كلاَّ بالطبع.
ننتقل بعد هذه الآية الكبرى إلى مثال آخر من عالم الجماد هذه المرَّة. لا يختلف اثنان في أنَّ أصغر شيء في هذا العالم هو ”الذرة“، كما أنَّهما لا يختلفان أنَّهما أعظمُ شيءٍ تدميرًا وفتكًا، فكيف جمع الله سبحانه وتعالى في شيءٍ واحدٍ بين متناقضين، الصِّغَر المتناهي إلى القوة المتناهية؟ إنَّ هذا المخلوق