تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٣٩

الصغير قد شهد القرآن بصغره حين ضرب به المثال في الصغر لقوله: ﴿((((يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (((﴾ (الزلزلة).

هذا المخلوق الصغير يقدِّم للإنسان أعظمَ درس في توحيد الخالق - جل جلاله - يقول العلماء: «إنَّ أصغر ما اكتُشف في العالم حتىَّ الآن هو الذرَّة وأجزاؤها، إنَّها من الصغر بحيث أنَّ أعظم المكبِّرات تعجز عن رؤيتها»(1)، ولكي نتصوَّر مقدار هذا الصغر يكفي أن نعرف أنَّ قطرة واحدة من الماء تحتوي على عدد من الذرَّات أكثر من جميع سكان الأرض قاطبةً، وإذا أردنا أن نحسب عدد البروتونات في سنتمتر واحد من سلكٍ دقيق، واستعنَّا على ذلك بألف شخص يحسبون، واستطاعوا أن يفصلُوا بروتونًا واحدًا في كلِّ ثانية، فإنَّ ذلك يستغرق منهم ما بين: 30سنة و300 سنة، بحَسَب اختلاف كلِّ مادَّة، على أن يستمرَّ حسابُهم ليلاً نهارًا دون انقطاع .. ! ما أعظم قدرة الخالق - سبحانه وتعالى -.

والآن وقد عرفنا أنَّ في سنتمتر واحد من سلك دقيق هذا العدد من البروتونات، فكم نظنُّ عدد الذرَّات في السماء والأرض والماء والهواء والمجرَّات والمنظومة الشمسية؟ إلاَّ يَكَلُّ فكرُ الإنسان بمجرَّد تصوُّر ذلك، أيستطيع أحد أن يعرفها غير الذي خلقها؟ وليس الذي يحيِّر في عالم الذرَّة هذه الكثرة المذهلة وحسب، بل إنَّ الذي يقف أمامه العقل منذهلاً، هو هذه الطاقة الهائلة الكامنة فيها، إذ يكفي أن نتصوَّر عظمة هذه الطاقة بأن نعرف أنَّ قنبلتين صغيرتين ذريتين ألقيتا سنة 1945م على”ناكازاكي“ و”هيروشيما“ اليابانيتين

(1) - المصدر السابق، ص: 53، (بتصرف).

٣٨ / ٢٠٧