تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٤١

مكانة العقل في القرآن الكريم

لم يمجِّد القرآنُ الكريم في الإنسان شيئًا كما مجَّد عقله، فهو أساس التكريم الذي خصَّه به دون سائر الكائنات الأخرى، أَوَلم يقل: ﴿(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا (((((((((﴾ (الإسراء: 70)، لذا كان هذا العقل بالذات مناط التكليف، فحين حمَّل اللهُ الإنسانَ الأمانةَ وجعله خليفة في الأرض، إنَّما حمَّله إيَّاها من أجل مميِّزاته وخصائصه، ولذا نجد الشريعة الإسلامية تبني التكليف على أساس العقل؛ فهي تسقط المسؤولية عن المجنون الطفل والعبد والغائب عن الوعي والنائم، لا لشيءٍ إلاَّ لأنَّ العقل في هذه الحالات مفقودٌ، وهو مناط التكليف، ومن أجل ذلك يلحظ المتأمِّل في القرآن الكريم تلك المكانة السامية التي أحَلََّ فيها العقل، فقد تكرَّرت مادة العقل في القرآن مثل قوله: عقلوه ـ تعقلون ـ يعقلون ـ يعقلها ـ نعقل، 49 مرَّة، وقد ذيَّل الله - سبحانه وتعالى - أغلب الآيات الداعية إلى التأمُّل في الكون، وعظمة خالق الكون، بدعوته إلى أصحاب العقول، وأولى النهى، وأولي الألباب، وأولي الفكر، وكلِّ ما تفرع عن هذه الكلمة من معان ومترادفات. وقد وُصف المؤمنون بالعقل لأنَّهم يتدبَّرون آيات القرآن، ووصف المنحرفون بالضلالة والجهل لأنَّهم لا يستخدمون عقولهم فهم كالأنعام أو أضلُّ سبيلا. وقد عيَّر الكافرين والمشركين في كلِّ عصر بأنَّهم معاندون مقلِّدون يتشبَّثون بما وجدوا عليه آباءهم، لا يكلِّفون أنفُسَهم عناء التفكير والوصول إلى

٤٠ / ٢٠٧