تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٤٣﴿(((((((يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ((((((((((((((((﴾ (فاطر: 28)، ﴿((((هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 09).
وقد قلنا إنَّ الفطرة طريقٌ إلى معرفة الله - سبحانه وتعالى -، فهل يمكن أن يكون العقل طريقاً أخرى لمعرفته تعالى؟، كلُّ امرئٍ لا بدَّ أن يعترف في نفسه بأنَّ النظام، نظام هذا الكون العظيم، حينما ظهر كان دليلاً على أنَّ وراءه عقلا مفكِّرا وتخطيطًا وهدفًا، فحيثما يشاهد الإنسان نظامًا ثابتًا وقوانين معينة أدرك أنَّ وراءه مصدرا للعلم والقدرة، وهو لكي يدرك هذا لا يحتاج إلى قدرة عظيمة للاستدلال، فنحن مثلاً، ندرك حينما نرى طائرة ذات حجم ضخم تحمل المئات من البشر ثمَّ تطير بهم في الجوِّ قاطعة آلاف الكيلومترات يطير بها مخلوقٌ صغير، يحطُّ بها حيثما شاء، وكيفما شاء، وأينما شاء، ندرك حين نرى هذه الصناعة العجيبة أنَّ وراءها مهندسين سهروا وتعبوا وبذلوا الوقت والجهد والمال حتى بلغوا بها المرتبة العظيمة، ونحن لو لم نر هؤلاء المهندسين فإنَّنا ندرك من تلقاء أنفسنا ذلك، ونتوصَّل إلى هذه النتيجة القطعيَّة دون إرشاد أحد، إنَّ إدراكنا هذا في عصر التكنولوجيا لا يختلف عن ذلك الأعرابي الذي عرف الله بفطرته وبعقله معاً، حين قال: «البعرةُ تدلُّ على البعير، والقدم تدلُّ على المسير، والصنعةُ تدلُّ على القدير».
وبناء على ذلك فحيثما رأينا جهازًا منظَّمًا علمنا أنَّ معه عقل وذكاء، وكلَّما كان ذلك الجهاز أكبر وأدق وأروع، كان العقل والعلم اللذان أوجداه أكبر وأعظم كذلك.