تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٤٥المخلوق، وذلك سرُّ قوله تعالى: ﴿(((((((((((آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي (((((((((((﴾ (فصلت: 53)، كيف يتطاول الإنسان إلى السؤال عن الخالق وهو لا يدرك ذاته المخلوقة، إنَّ قصارى ما توصَّل إليه الفلاسفة والعلماء أن عرفوا وظيفة العقل، وتبعوا حركته، ورصدوا طريقة عمله، ولم يذهبوا إلى أبعد من ذلك.
أطلق الكاتب المعاصر، الدكتور: ”زكي نجيب محمود“ على العقل كلمة: حركة، في ضوء ما ينصُّ عليه الجاحظ حيث يقول: «فأمَّا التحديد الذي أريد به أن أحدِّد معنى العقل: فهو الحركة التي أنتقل بها من شاهد إلى مشهود عليه، ومن دليل إلى مدلول عليه، ومن مقدمةٍ إلى نتيجة تترتَّب عليها، ومن وسيلة إلى غاية تؤدي إليها تلك الوسيلة، فإذا لم يكن انتقال من خَطوة إلى خَطوة تتبعُها، فالعقلُ إذا أدركت شيئًا دون أن تنتقل من هذه الحالة الإدراكية، أو حالة إلى حالة تليها، وتتوقف عليها فلا عقل .. » إلى أن يقول: « .. واختصارًا فإنَّ حدَّ العقل هو أن ينتقل الإنسان من معلوم إلى مجهول، ومن شاهد إلى غائب ومن ظاهر إلى خفيِّ، ومن حاضر إلى مستقبل .. » ويختم الكاتب تعريفاته بقوله: «العقل لا يلد العلم من جوفه كما يلد العنكبوت خيوطه من معدته وأمعائه، بل إنَّه يتقبَّل حصيلته من الخارج، بكائناتها الحية والجامدة من معطيات الحواس سمعاً وبصراً ولمساً، والعقل مقيَّد بالمشاهد والتجارب، مقيَّد بالواقع والمحسوس، مقيَّد بالظواهر، وإنَّه ليكفر برسالته وبوظيفته إذا هو مزَّق هذه القيود، ليشطح بلا قيود ولا حدود»(1).
(1) - د. زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي، ص، 310، 311، 335 (بتصرف).