تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٤٦

إنَّ الله سبحانه وتعالى حين ركَّب العقل في الإنسان وميَّزه به، أقام عليه الدليل من نفسه بأنَّه عاجزٌ ضعيفٌ، له حدود يقف عندها لا يستطيع تجاوُزَها وإن حاول، قاصرٌ في قيوده لا يقوى الانفكاك منها ولو ادَّعى غير ذلك، فالعقل وسيلة للمعرفة لا للكبرياء، وطريقة إلى الرشاد لا للادعاء. إنَّ الإنسان حين يلتفت حوله يجد أنَّه مُحاط بكونٍ عظيم، فإذا صعَّد النظر في السماء، ارتدَّ طرفه خاسئًا وهو حسير؛ لأنَّ عقله لا يستطيع مهما اجتهد وحاول أن يكتشف الأجزاء، لا يكتشف إلاَّ جزْءًا ضئيلاً جداً من هذا الكون العظيم، إذ يقول العلماء: «إنَّنا لم نستطع إلى حدِّ الآن مع تقدُّم العلم والتكنولوجيا الفضائية أن ينكشف لنا سوى 3 % من كوننا المنظور»، فكيف بما لم يستطع العلماء الوصول إليه أو إدراكه وهذا العجز المتناهي هو الذي يوضِّحه الإعجاز القرآني حين يربط بين أنفسنا والآفاق، حيث يقول: ﴿(((((((((((آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53)، وبدأ بالآفاق لعظمة هذا الكون، ولذلك أيضًا عدَّ القَسَم لمواقع النجوم قَسَمًا عظيمًا، حيث يقول: ﴿(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ((((﴾ (الواقعة).

إنَّ نشأة هذا الكون المادِّي شغلت هذا العقل الإنساني، منذ أن وجد الإنسان في رحلته الطويلة نحو الحقيقة في غيبة الرسل، كان يكبو مرَّة فيصوِّر الإله حجرًا أو وثنًا أو شمسًا أو قمرًا، ويعتدل مرَّة فيُسلِّم بأنَّ لهذا الكون إلها واحدًا، لأنَّ الحجر يتفتَّت، والوثن يتحطَّم، والشمس تَأفُل، والقمر يغيب،

٤٥ / ٢٠٧