تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٤٧

والإله القادر القويُّ قوَّته لا تقهر، ودائمٌ لا يخفى، وحيٌّ لا يموت(1).

في ضوء تاريخ الحضارات البشرية نجد أنَّ العقل الإنساني يضلُّ عن هداه في حالتين: حينما يشتطُّ في الاعتداد بقوَّته فيتوهَّم أنَّ له طاقة غير طاقته المحدودة، وحينما يعطِّل قوَّة التفكير فيه تقليدًا لغيره أو جمودًا على رأيه. وفي القرون الوسطى عطلت الكنيسة العقل وحاربت العلم، ممَّا تسبَّب معه ظهور أمواج إلحاديَّة تتنكَّر للدين ولا تؤمن إلاَّ بالعقل، وهذا شططٌ من الملحدين بقدر ما هو تعصُّبٌ وتخلُّف من المتديِّنين، وكانت ردَّة الفعل هذه دافعا لظهور فلسفات إلحاديَّة تعتقد أنَّ هذا الكون وهمٌ وخيال، أو أنَّه إنَّما نشأ من تلقاء نفسه وغير ذلك من الترَّهات التي كشف زيفها العقل نفسه ودمغها العلم والفكر، وقد عمد كثير من العلماء في أوربا باستخدام سلاح العقل نفسه ليثبتوا للملحدين ضلالهم، وبنو نظرياتهم على المنطق القائم على المقدمات وصولا إلى النتائج، ومن خير العلماء المعاصرين الذين ناقشوا هذه القضية، ”فرانك آلين“ أستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة كندا، حيث يقول: «كثيرًا ما يقال إنَّ هذا الكون لا يحتاج إلى خالق ولكنَّنا إذا سلَّمنا بأنَّ هذا الكون موجوٌد، فكيف نفسِّر وجوده ونشأته؟، هنالك أربعة احتمالات للإجابة على هذا السؤال: فإمَّا أن يكون هذا الكون مجرَّد وهمٍِ وخيال، وهو ما يتعارض مع القضية التي سلَّمنا بها حول وجوده، وإمَّا أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاءِ نفسه من العدم، وإمَّا أن يكون أبدياً

(1) - أثر العقيدة (المرجع السابق)، ص، 24.

٤٦ / ٢٠٧