تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٤٩

فكري لا يبعد كثيرًا عن مناهج مفكِّري الإسلام في إثبات وجود الله.

هذا المنهج الذي سبق إليه بعض المفكرين المسلمين من أمثال ”الجاحظ“ وغيره، حيث يقول على طريقة الحِجَاج المعتزليِّ: «فإن قلتَ إنَّ هذا شيءٌ اتَّفق أن يكون هكذا [يتكلَّم عن الصدفة على أنَّها يستحيل أن تكون مقبولةً في إيجاد هذا الكون العظيم] فما يمنعُك أن تقول في دولابٍ يدورُ لسقيِ حديقةٍ فيها شجر ونبات؟ فترى كلَّ شيءٍ من آلاته مقدَّرًا بعضها تلقاء بعض مع ما فيه من صلاح تلك الحديقة، وبما كنتَ تثبت هذا القول لو قلته؟ وماذا ترى الناس كانوا قائلين لك لو سمعوه منك سوى تسفيه رأيك، وتضليل عقلك؟ أفتُنكر أن تقول هذا دولابٌ خسيسٌ مصنوعٌ بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة أرض، بأنَّه كان بلا صانع مُقتدر؟ وتُقدِم على أن تقول في الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة تقصُر عنها أذهان البشر لصلاح الأرض وما عليها، أنَّه شيءٌ اتَّفق أن يكون بلا صنعة ولا تقدير؟»(1).

إنَّ الجاحظ يقول: كيف تنكر إذا ما رأيت دولابًا يكون سببًا لنزح الماء من الآبار، كيف تُنكر أن يكون هذا الدولاب لم يصنعه صانع؟ إذا لا بدَّ أن يكون له صانع! بينما هذا الكون العظيم الذي صنعه الله - سبحانه وتعالى - تنكر أن يكون من ورائه صانع، ولو اعتلَّ هذا الفلك كما تعتلُّ الآلات التي تُتَّخذ لرفع المياه وغيرها ما كان عند الناس من حيلة في إصلاحه، وكيف لو تخلَّف عنهم بمقدار عام أو بعض عام؟ كيف تكون حالتُهم؟ كيف يكون له بقاء؟ أفلا ترى كيف كُفيَ الناس هذه الأمور الجليلة التي لم يكن لهم عندها حيلة ? فصارت

(1) - المصدر السابق، ص: 28.

٤٨ / ٢٠٧